فخر الدين الرازي

92

تفسير الرازي

الورقة الواحدة علمت أن عنايته في تخليق جملة تلك الشجرة أكمل ، وعرفت أن عنايته في تكوين جملة النبات أكمل . ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل ، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل ، ثم إنه تعالى إنما خلق النبات والحيوان في هذا العالم ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده والمقصود من تخليق الإنسان هو المعرفة والمحبة والخدمة ، كما قال تعالى : * ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ) * . ( الذاريات : 56 ) فانظر أيها المسكين بعين رأسك في تلك الورقة الواحدة من تلك الشجرة ، واعرف كيفية خلقة تلك العروق والأوتار فيها ، ثم انتقل من مرتبة إلى ما فوقها حتى تعرف أن المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية ، فحينئذ ينفتح عليك باب من المكاشفات لا آخر لها ، ويظهر لك أن أنواع نعم الله في حقك غير متناهية ، كما قال : * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) * ( إبراهيم : 34 ) وكل ذلك إنما ظهر من كيفية خلقة تلك الورقة من الحبة والنواة ، فهذا كلام مختصر في تفسير قوله : * ( إن الله فالق الحب والنوى ) * ومتى وقف الإنسان عليه أمكنه تفريقها وتشعيبها إلى ما لا آخر له ، ونسأل الله التوفيق والهداية . المسألة الثانية : أما قوله تعالى : * ( يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ) * ففيه مباحث : الأول : أن * ( الحي ) * اسم لما يكون موصوفاً بالحياة ، و * ( الميت ) * اسم لما كان خالياً عن صفة الحياة فيه ، وعلى هذا التقدير : النبات لا يكون حياً . إذا عرفت هذا فللناس في تفسير هذا * ( الحي ) * و * ( الميت ) * قولان : الأول : حمل هذين اللفظين على الحقيقة . قال ابن عباس : يخرج من النطفة بشراً حياً ، ثم يخرج من البشر الحي نطفة ميتة ، وكذلك يخرج من البيضة فروجة حية ، ثم يخرج من الدجاجة بيضة ميتة ، والمقصود منه أن الحي والميت متضادان متنافيان ، فحصول المثل عن المثل يوهم أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية . أما حصول الضد من الضد ، فيمتنع أن يكون بسبب الطبيعة والخاصية ، بل لا بد وأن يكون بتقدير المقدر الحكيم ، والمدبر العليم . والقول الثاني : أن يحمل * ( الحي ) * و * ( الميت ) * على ما ذكرناه ، وعلى الوجوه المجازية أيضاً ، وفيه وجوه : الأول : قال الزجاج : يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس ويخرج اليابس من النبات الحي النامي . الثاني : قال ابن عباس : يخرج المؤمن من الكافر ، كما في حق إبراهيم ، والكافر من المؤمن