فخر الدين الرازي

90

تفسير الرازي

وكذلك الفلق ، فالشئ قبل أن دخل في الوجود كان معدوماً محضاً ونفياً صرفاً ، والعقل يتصور من العدم ظلمة متصلة لا انفراج فيها ولا انفلاق ولا انشقاق ، فإذا أخرجه المبدع الموجد من العدم إلى الوجود ، فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك العدم وفلقه . وأخرج ذلك المحدث من ذلك الشق . فبهذا التأويل لا يبعد حمل الفالق على الموجد والمحدث والمبدع . والقول الثاني : وهو قول الأكثرين : أن الفلق هو الشق ، والحب هو الذي يكون مقصوداً بذاته مثل حبة الحنطة والشعير وسائر الأنواع ، والنوى هو الشيء الموجود في داخل الثمرة مثل نوى الخوخ والتمر وغيرهما . إذا عرفت هذا فنقول : إنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ، ثم مر به قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً آخر . أما الشق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء ، وأما الشق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة ، وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض . ثم إن ههنا عجائب : فإحداها : أن طبيعة تلك الشجرة إن كانت تقتضي الهوى في عمق الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة في الهواء ؟ وإن كانت تقتضي الصعود في الهواء ، فكيف تولدت منها الشجرة الهابطة في الأرض ؟ فلما تولد منها هاتان الشجرتان مع أن الحس والعقل يشهد بكون طبيعة إحدى الشجرتين مضادة لطبيعة الشجرة الأخرى ، علمنا أن ذلك ليس بمقتضى الطبع والخاصية ، بل بمقتضى الإيجاد والإبداع والتكوين والاختراع . وثانيها : أن باطن الأرض جرم كثيف صلب لا تنفذ المسلة القوية فيه ولا يغوص السكين الحاد القوي فيه ، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء ، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة ، فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم . وثالثها : أنه يتولد من تلك النواة شجرة ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة ، فإن قشر الخشبة له طبيعة مخصوصة ، وفي داخل ذلك القشر جرم الخشبة وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش ، ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها ويتولد على الأغصان الأوراق أولاً ، ثم الأزهار والأنوار ثانياً ، ثم الفاكهة ثالثاً ، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر : مثل الجوز ، فإن قشره على الأعلى هو ذلك الأخضر ، وتحت ذلك القشر الذي