فخر الدين الرازي
86
تفسير الرازي
عند نزع الروح ، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح : المسألة الثانية : الذين قالوا إن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل وغير هذا الجسد احتجوا عليه بهذه الآية ، وقالوا : لا شك أن قوله : * ( أخرجوا أنفسكم ) * معناه : أخرجوا أنفسكم عن أجسادكم ، وهذا يدل على أن النفس مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على الوجهين الأولين من التأويلات الخمسة المذكورة ، لم يتم هذا الاستدلال . ثم قال تعالى : * ( اليوم تجزون عذاب الهون ) * قال الزجاج : عذاب الهون أي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد . قال تعالى : * ( أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ) * ( النحل : 59 ) والمراد منه أنه تعالى جمع هناك بين الإيلام وبين الإهانة ، فإن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم ، فكذلك العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة . قال بعضهم : الهون هو الهوان ، والهون هو الرفق والدعة . قال تعالى : * ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ) * ( الفرقان : 63 ) وقوله : * ( بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) * ( الأنعام : 93 ) وذلك يدل أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله ، والتكبر على آيات الله . وأقول : هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ونتائجه . وذكر الواحدي : أن المراد بقوله : * ( وكنتم عن آياته تستكبرون ) * أي لا تصلون له قال عليه السلام : " من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر " . قوله تعالى * ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) * . اعلم أن قوله : * ( ولقد جئتمونا فرادى ) * يحتمل وجهين : الأول : أن يكون هذا معطوفاً على قول الملائكة * ( أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون ) * فبين تعالى أنهم كما يقولون ذلك على وجه التوبيخ ، كذلك يقولون حكاية عن الله تعالى : * ( ولقد جئتمونا فرادى ) * فيكون الكلام أجمع حكاية عنهم وأنهم يوردون ذلك على هؤلاء الكفار ، وعلى هذا التقدير ،