فخر الدين الرازي
84
تفسير الرازي
لأن كون الذات جسماً ومتحيزاً ليس بصفة ، بل هو نفس الذات المخصوصة ، فمن زعم أن إله العالم ليس بجسم ، كان معناه أنه يقول : جميع الأجسام والمتحيزات محدثة ، ولها بأسرها خالق هو موجود ليس بمتحيز ، والمجسم ينفي هذه الذات ، فكان الخلاف بين الموحد والمجسم ليس في الصفة بل في نفس الذات ، لأن الموحد يثبت هذه الذات والمجسم ينفيها ، فثبت أن هذا الخلاف لم يقع في الصفة ، بل في الذات . وأما قول : المجبرة قد افتروا على الله تعالى في صفاته ، فليس بصحيح ، لأنه يقال له المجبرة ما زادوا على قولهم الممكن لا بد له من مرجح ، فإن كذبوا في هذه القضية ، فكيف يمكنهم أن يعرفوا وجود الإله ؟ وإن صدقوا في ذلك لزمهم الإقرار بتوقيف صدور الفعل على حصول الداعي بتخليق الله تعالى ، وذلك عين ما نسميه بالجبر ، فثبت أن الذي وصفه بكونه افتراء على الله باطل ، بل المفتري على الله من يقول الممكن لا يتوقف رجحان أحد طرفيه على الآخر على حصول المرجح . فإن من قال هذا الكلام لزمه نفي الصانع بالكلية ، بل يلزمه نفي الآثار والمؤثرات بالكلية . والنوع الثاني : من الأشياء التي وصفها الله تعالى بكونها افتراء قوله : * ( أو قال أوحى إلي ولم يوح إليه شيء ) * والفرق بين هذا القول وبين ما قبله ، أن في الأول كان يدعي أنه أوحى إليه وما كان يكذب بنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم ، وأما في هذا القول ، فقد أثبت الوحي لنفسه ونفاه عن محمد عليه الصلاة والسلام ، وكان هذا جمعاً بين نوعين عظيمين من الكذب ، وهو إثبات ما ليس بموجود ونفي ما هو موجود . والنوع الثالث : قوله : * ( سأنزل مثل ما أنزل الله ) * قال المفسرون : المراد ما قاله النضر بن الحرث وهو قوله : * ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) * وقوله في القرآن : إنه من أساطير الأولين ، وكل أحد يمكنه الإتيان بمثله ، وحاصله : أن هذا القائل يدعي معارضة القرآن . وروى أيضاً أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب الوحي للرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما نزل قوله : * ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) * ( المؤمنون : 12 ) إملاء الرسول عليه السلام ، فلما انتهى إلى قوله : * ( ثم أنشأناه خلقاً آخر ) * عجب عبد الله منه فقال : فتبارك الله أحسن الخالقين ! فقال الرسول هكذا أنزلت الآية ، فسكت عبد الله وقال : إن كان محمد صادقاً ، فقد أوحى إلي ، وإن كان كاذباً فقد عارضته ، فهذا هو المراد من قوله : * ( سأنزل مثل ما أنزل ) * . أما قوله تعالى : * ( ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت ) * فاعلم أن أول الآية وهو قوله : * ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ) * يفيد التخويف العظيم على سبيل الإجمال وقوله بعد ذلك : * ( ولو ترى