فخر الدين الرازي
7
تفسير الرازي
تدعون من دون الله وبين أن الذين يعبدونها إنما يعبدونها بناء على محض الهوى والتقليد ، لا على سبيل الحجة والدليل ، لأنها جمادات وأحجار وهي أخس مرتبة من الإنسان بكثير ، وكون الأشرف مشتغلاً بعبادة الأخس أمر يدفعه صريح العقل . وأيضاً أن القوم كانوا ينحتون تلك الأصنام ويركبونها ، ومن المعلوم بالبديهة أنه يقبح من هذا العامل الصانع أن يعبد معموله ومصنوعه . فثبت أن عبادتها مبنية على الهوى . ومضادة للهدى ، وهذا هو المراد من قوله * ( قل لا أتبع أهواءكم ) * ثم قال : * ( قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين ) * أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال وما أنا من المهتدين في شيء . والمقصود كأنه يقول لهم أنتم كذلك . ولما نفى أن يكون الهوى متبعاً ، على ما يجب اتباعه بقوله : * ( قل إني على بينة من ربي ) * أي في أنه لا معبود سواه . وكذبتم أنتم حيث أشركتم به غيره . واعلم أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك . والقوم لإصرارهم على الكفر كانوا يستعجلون نزول ذلك العذاب . فقال تعالى قل يا محمد : * ( ما عندي ما تستعجلون به ) * يعني قولهم * ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) * ( الأنفال : 32 ) والمراد أن ذلك العذاب ينزله الله في الوقت الذي أراد إنزاله فيه . ولا قدرة لي على تقديمه أو تأخيره . ثم قال : * ( إن الحكم إلا لله ) * وهذا مطلق يتناول الكل . والمراد ههنا إن الحكم إلا لله فقط في تأخير عذابهم * ( يقضي الحق ) * أي القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل * ( وهو خير الفاصلين ) * أي القاضين ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى : احتج أصحابنا بقوله : * ( إن الحكم إلا لله ) * على أنه لا يقدر العبد على أمر من الأمور إلا إذا قضى الله به ، فيمتنع منه فعل الكفر إلا إذا قضى الله به وحكم به . وكذلك في جميع الأفعال . والدليل عليه أنه تعالى قال : * ( إن الحكم إلا لله ) * وهذا يفيد الحصر ، بمعنى أنه لا حكم إلا لله . واحتج المعتزلة بقوله : * ( يقضي الحق ) * ومعناه أن كل ما قضى به فهو الحق . وهذا يقتضي أن لا يريد الكفر من الكافر . ولا المعصية من العاصي لأن ذلك ليس الحق . والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ ابن كثير ونافع وعاصم * ( يقص الحق ) * بالصاد من القصص ، يعني أن كل ما أنبأ الله به وأمر به فهو من أقاصيص الحق ، كقوله : * ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) * ( يوسف : 3 ) وقرأ الباقون * ( يقض الحق ) * والمكتوب في المصاحف " يقض " بغير ياء لأنها سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين كما كتبوا * ( سندع الزبانية ) * ( العلق : 18 ) فما تغن النذر ) * وقوله : * ( يقضى الحق ) * قال الزجاج : فيه وجهان : جائز أن يكون * ( الحق ) * صفة المصدر والتقدير : يقض القضاء الحق . ويجوز أن يكون * ( يقض الحق ) * يصنع الحق ، لأن كل شيء صنعه الله فهو حق . وعلى هذا التقدير * ( الحق ) * يكون مفعولاً به وقضى