فخر الدين الرازي

59

تفسير الرازي

وثانيها : إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه . وثالثها : إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها ويمكنها من ضري ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي ، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه ، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره ، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب . ثم قال عليه السلام : * ( وسع ربي كل شيء علماً ) * يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة ، فبتقدير : أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك ، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام . ثم قال : * ( أفلا تتذكرون ) * والمعنى : أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد عن الله تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب ، والسعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العقاب . والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر * ( أتحاجوني ) * خفيفة النون على حذف أحد النونين والباقون على التشديد على الإدغام . وأما قوله : * ( وقد هداني ) * قرأ نافع وابن عامر * ( هداني ) * بإثبات الياء على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف . المسألة الثالثة : أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله : * ( لا أحب الآفلين ) * والقوم أيضاً حاجوه في الله ، وهو قوله تعالى خبراً عنهم : * ( وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله ) * فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ ، وهي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام ، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى : * ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) * وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله : * ( قال أتحاجوني في الله ) * ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواح المدح والثناء ، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر . وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانوناً معتبراً ، فكل موضع جاء في القرآن والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل ، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق . والله أعلم .