فخر الدين الرازي

57

تفسير الرازي

المسألة الثانية : قوله : * ( هذا أكبر ) * المراد منه أكبر الكواكب جرماً وأقواها قوة ، فكان أولى بالإلهية . فإن قيل : لما كان الأفول حاصلاً في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية ، وإذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر الكواكب أولى . وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر والكواكب . فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز والاختصار ؟ قلنا : إن الأخذ من الأدون فالأدون ، مترقياً إلى الأعلى فالأعلى ، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره ، فكان ذكره على هذا الوجه أولى . أما قوله : * ( قال يا قوم إني بريء مما تشركون ) * فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والإلهية ، لا جرم تبرأ من الشرك . ولقائل أن يقول : هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب والشمس والقمر لا تصلح للربوبية والإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقاً وإثبات التوحيد ، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم بإثبات التوحيد مطلقاً . والجواب : أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أرباباً ولا آلهة ، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق . أما قوله : * ( إني وجهت وجهي ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : فتح الياء من * ( وجهي ) * نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ، والباقون تركوا هذا الفتح . المسألة الثانية : هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره . بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعاً لغيره منقاداً لأمره ، فإنه يتوجه بوجهه إليه ، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة . وأما قوله : * ( للذي فطر السماوات والأرض ) * ففيه دقيقة : وهي أنه لم يقل وجهت وجهي إلى الذي فطر السماوات والأرض . بل ترك هذا اللفظ وذكر قوله : * ( وجهت وجهي للذي ) * والمعنى : أن توجيه وجه القلب ليس إليه ، لأنه متعال عن الحيز والجهة ، بل توجيه وجه القلب إلى خدمته وطاعته لأجل عبوديته ، فترك كلمة " إلى " هنا والاكتفاء بحرف اللام دليل ظاهر على كون المعبود