فخر الدين الرازي

38

تفسير الرازي

ويحتمل أن يكون بالعكس ، وهو أن تارح كان اسماً أصلياً وآزر كان لقباً غالباً . فذكره الله تعالى بهذا اللقب الغالب . الوجه الثاني : أن يكون لفظة آزر صفة مخصوصة في لغتهم ، فقيل إن آزر اسم ذم في لغتهم وهو المخطئ كأنه قيل ، وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ كأنه عابه بزيغه وكفره وانحرافه عن الحق ، وقيل آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية ، وهو أيضاً فارسية أصلية . واعلم أن هذين الوجهين إنما يجوز المصير إليهما عند من يقول بجواز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب . والوجه الثالث : أن آزر كان اسم صنم يعبده والد إبراهيم ، وإنما سماه الله بهذا الاسم لوجهين : أحدهما : أنه جعل نفسه مختصاً بعبادته ومن بالغ في محبة أحد فقد يجعل اسم المحبوب اسماً للمحب . قال الله تعالى : * ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم ) * ( الإسراء : 71 ) وثانيها : أن يكون المراد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . الوجه الرابع : أن والد إبراهيم عليه السلام كان تارح وآزر كان عماله ، والعم قد يطلق عليه اسم الأب ، كما حكى الله تعالى عن أولاد يعقوب أنهم قالوا : * ( نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق ) * ( البقرة : 133 ) ومعلوم أن إسماعيل كان عماً ليعقوب . وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا ههنا . واعلم أن هذه التكلفات إنما يجب المصير إليها لو دل دليل باهر على أن والد إبراهيم ما كان اسمه آزر وهذا الدليل لم يوجد البتة ، فأي حاجة تحملنا على هذه التأويلات ، والدليل القوي على صحة أن الأمر على ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا في غاية الحرص على تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وإظهار بغضه ، فلو كان هذا النسب كذباً لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه وحيث لم يكذبوه علمنا أن هذا النسب صحيح والله أعلم . المسألة الرابعة : قالت الشيعة : إن أحداً من آباء الرسول عليه الصلاة والسلام وأجداده ما كان كافراً وأنكروا أن يقال أن والد إبراهيم كان كافراً وذكروا أن آزر كان عم إبراهيم عليه السلام . وما كان والداً له واحتجوا على قولهم بوجوه : الحجة الأولى : أن آباء الأنبياء ما كانوا كفاراً ويدل عليه وجوه : منها قوله تعالى : * ( الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين ) * ( الشعراء : 218 ، 219 ) . قيل معناه : إنه كان ينقل روحه من ساجد إلى ساجد وبهذا التقدير : فالآية دالة على أن جميع آباء محمد عليه السلام كانوا مسلمين . وحينئذ يجب القطع بأن والد إبراهيم عليه السلام كان مسلماً . فإن قيل : قوله : * ( وتقلبك في الساجدين ) * يحتمل وجوهاً أخر : أحدها : إنه لما نسخ فرض