فخر الدين الرازي
31
تفسير الرازي
فإن قيل : كيف حسن عطف قوله : * ( وأن أقيموا الصلاة ) * على قوله : * ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) * ؟ قلنا : ذكر الزجاج فيه وجهين : الأول : أن يكون التقدير ، وأمرنا فقيل لنا أسلموا لرب العالمين وأقيموا الصلاة . فإن قيل : هب أن المراد ما ذكرتم ، لكن ما الحكمة في العدول عن هذا اللفظ الظاهر والتركيب الموافق للعقل إلى ذلك اللفظ الذي لا يهتدي العقل إلى معناه إلا بالتأويل ؟ قلنا : وذلك لأن الكافر ما دام يبقى على كفره ، كان كالغائب الأجنبي فلا جرم يخاطب بخطاب الغائبين ، فيقال له : * ( وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) * وإذا أسلم وآمن ودخل في الإيمان صار كالقريب الحاضر ، فلا جرم يخاطب بخطاب الحاضرين ، ويقال له : * ( وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون ) * فالمقصود من ذكر هذين النوعين من الخطاب التنبيه على الفرق بين حالتي الكفر والإيمان ، وتقريره أن الكافر بعيد غائب والمؤمن قريب حاضر . والله أعلم . قوله تعالى * ( وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والاَْرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات المتقدمة فساد طريقة عبدة الأصنام ، ذكر ههنا ما يدل على أنه لا معبود إلا الله وحده وهو هذه الآية ، وذكر فيها أنواعاً كثيرة من الدلائل . أولها : قوله * ( وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ) * أما كونه خالقاً للسموات والأرض ، فقد شرحنا في قوله : * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) * وأما أنه تعالى خلقهما بالحق فهو نظير لقوله تعالى في سورة آل عمران * ( ربنا ما خلقت هذا باطلاً ) * ( آل عمران : 191 ) وقوله : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) * ( الأنبياء : 16 ) * ( ما خلقناهما إلا بالحق ) * ( الدخان : 39 ) وفيه قولان . القول الأول : وهو قول أهل السنة أنه تعالى مالك لجميع المحدثات مالك لكل الكائنات وتصرف للمالك في ملكه حسن وصواب على الإطلاق ، فكان ذلك التصرف حسناً على الإطلاق وحقاً على الإطلاق .