فخر الدين الرازي

4

تفسير الرازي

المسألة الأولى : قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب . ولكمة " على " أيضاً تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب . فهذا يقتضي كونه سبحانه راحماً لعباده رحيماً بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا : له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد ، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم . وقالت المعتزلة : إن كونه عالماً بقبح القبائح وعالماً بكونه غنياً عنها ، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو فعله كان ظلماً ، والظلم قبيح ، والقبيح منه محال . وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول . المسألة الثانية : دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضاً قوله تعالى : * ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) * ( المائدة : 116 ) يدل عليه ، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة ، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه . لأنه لو كان جسماً لكان مركباً والمركب ممكن وأيضاً أنه أحد ، والأحد لا يكون مركباً ، وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً أنه غني كما قال * ( والله الغني ) * والغني لا يكون مركباً وما لا يكون مركباً لا يكون جسماً وأيضاً الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كان جسماً لحصل له مثل ، وذلك باطل لقوله * ( ليس كمثله شيء ) * ( الشورى : 11 ) فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه . المسألة الثالثة : قالت المعتزلة قوله : * ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * ينافي أن يقال : إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه أبد الآباد ، وينافي أن يقال : إنه يمنعه عن الإيمان ، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان ، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان . وجواب أصحابنا : أنه ضار نافع محيي مميت ، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين . المسألة الرابعة : من الناس من قال : إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم : * ( سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه ، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا : * ( سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة ) * وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقواماً بأنه يقول لهم بعد الموت * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) ثم إن أقواماً أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال : لا ، بل هذا كلام الرسول عليه الصلاة والسلام . وقوله : وعلى التقديرين فهو درجة عالية . ثم قال تعالى : * ( إنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر ، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين