فخر الدين الرازي

28

تفسير الرازي

والمراد الدين الذي يجب عليهم أن يتدينوا به ويعتقدوا صحته . فقوله : * ( وذكر به ) * أي بذلك الدين لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكور . والدين أقرب المذكور ، فوجب عود الضمير إليه . أما قوله * ( أن تبسل نفس بما كسبت ) * فقال صاحب " الكشاف " : أصل الإبسال المنع ومنه ، هذا عليك بسل أي حرام محظور ، والباسل الشجاع لامتناعه من خصمه ، أو لأنه شديد البسور ، يقال بسر الرجل إذا اشتد عبوسه ، وإذا زاد قالوا بسل ، والعابس منقبض الوجه . إذا عرفت هذا فنقول : قال ابن عباس : * ( تبسل نفس بما كسبت ) * أي ترتهن في جهنم بما كسبت في الدنيا . وقال الحسن ومجاهد : تسلم للمهلكة أي تمنع عن مرادها وتخذل . وقال قتادة : تحبس في جهنم ، وعن ابن عباس * ( تبسل ) * تفضح و * ( أبسلوا ) * فضحوا ، ومعنى الآية وذكرهم بالقرآن ، ومقتضى الدين مخافة احتباسهم في نار جهنم بسبب جناياتهم لعلهم يخافون فيتقون . ثم قال تعالى : * ( ليس لها ) * أي ليس للنفس * ( من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) * أي وإن تفد كل فداء ، والعدل الفدية لا يؤخذ ذلك العدل وتلك الفدية منها . قال صاحب " الكشاف " : فاعل يؤخذ ليس هو قوله : * ( عدل ) * لأن العدل ههنا مصدر ، فلا يسند إليه الأخذ . وأما في قوله : * ( ولا يؤخذ منها عدل ) * فبمعنى المفدى به ، فصح إسناده إليه . فنقول : الأخذ بمعنى القبول وارد . قال تعالى : * ( ويأخذ الصدقات ) * أي يقبلها . وإذا ثبت هذا فيحمل الأخذ ههنا على القبول ، ويزول السؤال . والله أعلم . والمقصود من هذه الآية : بيان أن وجوه الخلاص على تلك النفس منسدة ، فلا ولي يتولى دفع ذلك المحذور ، ولا شفيع يشفع فيها ، ولا فدية تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع . فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا ، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة ، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام ، فليس لها البتة دافع من عذاب الله تعالى ، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى . ثم إنه تعالى بين ما به صاروا مرتهنين وعليه محبوسين ، فقال * ( لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) * وذلك هو النهاية في صفة الإيلام . والله أعلم . قوله تعالى * ( قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ