فخر الدين الرازي
25
تفسير الرازي
وقيل : الخطاب لغيره أي إذا رأيت أيها السامع الذين يخوضون في آياتنا . ونقل الواحدي أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ، فشتموا واستهزؤوا فأمرهم أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . ولفظ الخوض في اللغة عبارة عن المفاوضة على وجه العبث واللعب ، قال تعالى حكاية عن الكفار : * ( وكنا نخوض مع الخائضين ) * وإذا سئل الرجل عن قوم فقال : تركتهم يخوضون أفاد ذلك أنهم شرعوا في كلمات لا ينبغي ذكرها ومن الحشوية من تمسك بهذه الآية في النهي عن الاستدلال والمناظرة في ذات الله تعالى وصفاته . قال : لأن ذلك خوض في آيات الله ، والخوض في آيات الله حرام بدليل هذه الآية ، والجواب عنه : أنا نقلنا عن المفسرين أن المراد من " الخوض " الشروع في آيات الله تعالى على سبيل الطعن والاستهزاء . وبينا أيضاً أن لفظ " الخوض " وضع في أصل اللغة لهذا المعنى فسقط هذا الاستدلال والله أعلم . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر * ( ينسينك ) * بالتشديد وفعل وأفعل يجريان مجرى واحد كما بينا ذلك في مواضع . وفي التنزيل * ( فمهل الكافرين أمهلهم رويداً ) * ( الطارق : 17 ) والاختيار قراءة العامة لقوله تعالى : * ( وما أنسانيه إلا الشيطان ) * ( الكهف : 63 ) ومعنى الآية : إن نسيت وقعدت فلا تقعد بعد الذكرى ، وقم إذا ذكرت . والذكرى اسم للتذكرة قاله الليث . وقال الفراء : الذكرى يكون بمعنى الذكر ، وقوله : * ( مع القوم الظالمين ) * يعني مع المشركين . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( فأعرض عنهم ) * وهذا الإعراض يحتمل أن يحصل بالقيام عنهم ويحتمل بغيره . فلما قال بعد ذلك * ( فلا تقعد بعد الذكرى ) * صار ذلك دليلاً على أن المراد أن يعرض عنهم بالقيام من عندهم وههنا سؤالات : السؤال الأول : هل يجوز هذا الإعراض بطريق آخر سوى القيام عنهم ؟ والجواب : الذين يتمسكوا بظواهر الألفاظ ويزعمون وجوب إجرائها على ظواهرها لا يجوزون ذلك ، والذين يقولون المعنى هو المعتبر جوزوا ذلك قالوا : لأن المطلوب إظهار الإنكار ، فكل طريق أفاد هذا المقصود فإنه يجوز المصير إليه . السؤال الثاني : لو خاف الرسول من القيام عنهم ، هل يجب عليه القيام مع ذلك ؟ الجواب : كل ما أوجب على الرسول فعله وجب عليه ذلك سواء ظهر أثر الخوف أو لم يظهر فإنا إن جوزنا منه ترك الواجب بسبب الخوف ، سقط الاعتماد عن التكاليف التي بلغها إلينا أما غير الرسول فإنه عند شدة الخوف قد يسقط عنه الفرض ، لأنه إقدامه على الترك لا يفضي إلى المحذور المذكور .