فخر الدين الرازي
233
تفسير الرازي
الدهر ما عنده ، إذا أفسده ، والإملاق الفساد . والنوع الرابع : قوله : * ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ) * قال ابن عباس : كانوا يكرهون الزنا علانية ، ويفعلون ذلك سراً ، فنهاهم الله عن الزنا علانية وسراً ، والأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين ، بل يجري على عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام . والمعنى الموجب لهذا النهي وهو كونه فاحشة عام أيضاً ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل ، وفي قوله : * ( ما ظهر منها وما بطن ) * دقيقة ، وهي : أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته ، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس ، وذلك باطل ، لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعاً من عقاب الله ونحوه فإنه يخشى عليه من الكفر ، ومن ترك المعصية ظاهراً وباطناً ، دل ذلك على أنه إنما تركها تعظيماً لأمر الله تعالى وخوفاً من عذابه ورغبة في عبوديته . والنوع الخامس : قوله : * ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) * . واعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين : إحداهما : أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم ، كقوله : * ( وملائكته وجبريل وميكال ) * والثانية : أنه تعالى أراد أن يستثني منه ، ولا يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش . إذا عرفت هدا فنقول : قوله : * ( إلا بالحق ) * أي قتل النفس المحرمة قد يكون حقاً لجرم يصدر منها . والحديث أيضاً موافق له وهو قوله عليه السلام : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق " والقرآن دل على سبب رابع ، وهو قوله تعالى : * ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا ) * ( المائدة : 33 ) . والحاصل : أن الأصل في قتل النفس هو الحرمة وحله لا يثبت إلا بدليل منفصل . ثم إنه تعالى لما بين أحوال هذه الأقسام الخمسة أتبعه باللفظ الذي يقرب إلى القلب القبول ، فقال : * ( ذلكم وصاكم به ) * لما في هذه اللفظة من اللطف والرأفة ، وكل ذلك ليكون المكلف أقرب إلى القبول ، ثم أتبعه بقوله : * ( لعلكم تعقلون ) * أي لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف ، ومنافعها في الدين والدنيا . قوله تعالى * ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ