فخر الدين الرازي
223
تفسير الرازي
ثم بين تعالى أنه حرم على اليهود أشياء أخرى سوى هذه الأربعة ، وهي نوعان : الأول : أنه تعالى حرم عليهم كل ذي ظفر . وفيه مباحث : البحث الأول : قال الواحدي : في الظفر لغات ظفر بضم الفاء ، وهو أعلاها وظفر بسكون الفاء ، وظفر بكسر الظاء وسكون الفاء ، وهي قراءة الحسن وظفر بكسرهما وهي قراءة أبي السمال . البحث الثاني : قال الواحدي : اختلفوا في كل ذي ظفر الذي حرمه الله تعالى على اليهود روي عن ابن عباس : أنه الإبل فقط . وفي رواية أخرى عن ابن عباس : أنه الإبل والنعامة ، وهو قول مجاهد . وقال عبد الله بن مسلم : إنه كل ذي مخلب من الطير وكل ذي حافر من الدواب . ثم قال : * ( كذلك ) * قال المفسرون . وقال : وسمى الحافر ظفراً على الاستعارة . وأقول : أما حمل الظفر على الحافر فبعيد من وجهين : الأول : أن الحافر لا يكاد يسمى ظفراً . والثاني : أنه لو كان الأمر كذلك لوجب أن يقال إنه تعالى حرم عليهم كل حيوان له حافر ، وذلك باطل لأن الآية تدل على أن الغنم والبقر مباحان لهم من حصول الحافر لهما . وإذا ثبت هذا فنقول : وجب حمل الظفر على المخالب والبراثن لأن المخالب آلات الجوارح في الاصطياد والبراثن آلات السباع في الاصطياد ، وعلى هذا التقدير : يدخل فيه أنواع السباع والكلاب والسنانير ، ويدخل فيه الطيور التي تصطاد لأن هذه الصفة تعم هذه الأجناس . إذا ثبت هذا فنقول : قوله تعالى : * ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) * يفيد تخصيص هذه الحرمة بهم من وجهين : الأول : أن قوله : * ( وعلى الذين هادوا حرمنا ) * كذا وكذا يفيد الحصر في اللغة . والثاني : أنه لو كانت هذه الحرمة ثابتة في حق الكل لم يبق لقوله ، * ( وعلى الذين هادوا حرمنا ) * فائدة . فثبت أن تحريم السباع وذوي المخالب من الطير مختص باليهود ، فوجب أن لا تكون محرمة على المسلمين ، فصارت هذه الآية دالة على هذه الحيوانات على المسلمين ، وعند هذا نقول : ما روي أنه صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور ضعيف لأنه خبر واحد على خلاف كتاب الله تعالى ، فوجب أن لا يكون مقبولاً ، وعلى هذا التقدير : يقوى قول مالك في هذه المسألة . النوع الثاني : من الأشياء التي حرمها الله تعالى على اليهود خاصة ، قوله تعالى : * ( ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما ) * فبين تعالى أنه حرم على اليهود شحوم البقر والغنم ، ثم في الآية قولان : الأول : إنه تعالى استثنى عن هذا التحريم ثلاثة أنواع : أولها : قوله : * ( إلا ما حملت ظهورهما ) * قال ابن عباس : إلا ما علق بالظهر من الشحم ، فإني لم أحرمه وقال قتادة : إلا ما علق بالظهر والجنب