فخر الدين الرازي

205

تفسير الرازي

الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها ، وقالوا لو شاء زكى نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة ، قالوا لا بد لآلهتنا من نفقة ، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة ، فذلك قوله : * ( فما كان لشركائهم ) * يعني من نماء الحرث والأنعام * ( فلا يصل إلى الله ) * يعني المساكين وإنما قال : * ( إلى الله ) * لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ، وما كان لله فهو يصل إليهم ، ثم إنه تعالى ذم هذا الفعل * ( فقال ساء ما يحكمون ) * وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة وجوهاً كثيرة : الأول : أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله تعالى ، وهو سفه . الثاني : أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع ، وهذا أيضاً سفه . الثالث : أن ذلك الحكم حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع ، فكان أيضاً سفهاً . الرابع : أنه لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر ، الخامس : أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ، ولا قدرة لها أيضاً على الانتفاع بذلك النصيب فكان إفراز النصيب لها عبثاً ، فثبت بهذا الوجوه أنه * ( ساء ما يحكمون ) * والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة ، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب ، وأن يصير ذلك سبباً لتحقيرهم في أعين العقلاء ، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد البتة . قوله تعالى * ( وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) * . في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من أحكامهم الفاسدة ، ومذاهبهم الباطلة ، وقوله : * ( وكذلك ) * عطف على قوله : * ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ) * أي كما فعلوا ذلك ، فكذلك زين لكثير منهم شركاؤهم قتل الأولاد ، والمعنى : أن جعلهم لله نصيباً ، وللشركاء نصيباً ، نهاية في الجهل بمعرفة الخالق المنعم ، وإقدامهم على قتل أولاد أنفسهم نهاية في الجهالة والضلالة ، وذلك يفيد التنبيه على أن أحكام هؤلاء وأحوالهم يشاكل بعضها بعضاً في الركاكة والخساسة . المسألة الثانية : كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفاً من الفقر أو من التزويج ،