فخر الدين الرازي

203

تفسير الرازي

اعلم أنه لما بين بقوله : * ( إنما توعدون لآت ) * أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث عن الكفار ، فقال * ( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ) * وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ أبو بكر عن عاصم * ( مكاناتكم ) * بالألف ، على الجمع في كل القرآن ، والباقون * ( مكانتكم ) * قال الواحدي : والوجه الإفراد ، لأنه مصدر ، والمصادر في أكثر الأمر مفردة ، وقد تجمع أيضاً في بعض الأحوال ، إلا أن الغالب هو الأول . البحث الثاني : قال صاحب " الكشاف " : المكانة تكون مصدراً ، يقال : مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، وبمعنى المكان ، يقال : مكان ومكانة ، ومقام ومقامة ، فقوله : * ( اعملوا على مكانتكم ) * يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، ويحتمل أيضاً أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : على مكانتك يا فلان ، أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه * ( إني عامل ) * أي أنا عامل على مكانتي ، التي عليها ، والمعنى : أثبتوا على كفركم وعداوتكم ، فأني ثابت على الإسلام ، وعلى مضارتكم * ( فسوف تعلمون ) * أيناله العاقبة المحمودة ، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله : * ( اعملوا ما شئتم ) * وهي تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد . البحث الثالث : من في قوله : * ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) * ذكر الفراء في موضعه من الإعراب وجهين : الأول : أنه نصب لوقوع العلم عليه . الثاني : أن يكون رفعاً على معنى : تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ، كقوله تعالى : * ( لنعلم أي الحزبين ) * ( الكهف : 12 ) . البحث الرابع : قوله : * ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) * يوهم أن الكافر ليست له عاقبة الدار ، وذلك مشكل . قلنا : العاقبة ، تكون على الكافر ولا تكون له ، كما يقال : له الكثرة ولهم الظفر ، وفي ضده يقال : عليكم الكثرة والظفر . البحث الخامس : قرأ حمزة والكسائي * ( من يكون ) * بالياء وفي القصص أيضاً والباقون بالتاء في السورتين . قال الواحدي : العاقبة مصدر كالعافية ، وتأنيثه غير حقيقي ، فمن أنث ، فكقوله : * ( فأخذتهم الصيحة ) * ( المؤمنون : 41 ) ومن ذكر فكقوله : * ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) * ( هود : 67 ) وقال : * ( قد جاءتكم موعظة من ربكم ) * ( يونس : 57 ) وفي آية أخرى : * ( فمن جاءه موعظة من ربه ) * ( البقرة : 275 ) . ثم قال تعالى : * ( إنه لا يفلح الظالمون ) * والغرض منه بيان أن قوله : * ( اعملوا على مكانتكم ) * تهديد وتخويف لا أنه أمر وطلب ، ومعناه : أن هؤلاء الكفار لا يفلحون ولا يفوزون بمطالبهم البتة .