فخر الدين الرازي
200
تفسير الرازي
واعلم أن قوله : * ( وربك الغني ذو الرحمة ) * يفيد الحصر ، فإن معناه : أنه لا رحمة إلا منه ، والأمر كذلك لأن الموجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته ، والواجب لذاته واحد فكل ما سواه فهو منه ، والرحمة داخلة فيما سواه . فثبت أنه لا رحمة إلا من الحق ، فثبت بهذا البرهان صحة هذا الحصر فثبت أنه لا غني إلا هو . فثبت أنه لا رحيم إلا هو . فإن قال قائل : فكيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الولد والمولى على عبده ، وكذلك سائر أنواع الرحمة ؟ فالجواب : أن كلها عند التحقيق من الله . ويدل عليه وجوه : الأول : لولا أنه تعالى ألقى في قلب هذا الرحيم داعية الرحمة ، لما أقدم على الرحمة ، فلما كان موجد تلك الداعية هو الله ، كان الرحيم هو الله . ألا ترى أن الإنسان قد يكون شديد الغضب على إنسان قاسي القلب عليه ، ثم ينقلب رؤوفاً رحيماً عطوفاً فانقلابه من الحالة الأولى إلى الثانية ليس إلا بانقلاب تلك الدواعي . فثبت أن مقلب القلوب هو الله تعالى بالبرهان قطعاً للتسلسل ، وبالقرآن وهو قوله : * ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ) * ( الأنعام : 110 ) فثبت أنه لا رحمة إلا من الله . والثاني : هب أن ذلك الرحيم أعطى الطعام والثوب والذهب ، ولكن لا صحة للمزاج والتمكن من الانتفاع بتلك الأشياء ، وإلا فكيف الانتفاع ؟ فالذي أعطى صحة المزاج والقدرة والمكنة هو الرحيم في الحقيقة . والثالث : أن كل من أعطى غيره شيئاً فهو إنما يعطي لطلب عوض ، وهو إما الثناء في الدنيا ، أو الثواب في الآخرة ، أو دفع الرقة الجنسية عن القلب ، وهو تعالى يعطي لا لغرض أصلاً ، فكان تعالى هو الرحيم الكريم . فثبت بهذه البراهين اليقينية القطعية صحة قوله سبحانه وتعالى : * ( وربك الغني ذو الرحمة ) * بمعنى أنه لا غني ولا رحيم إلا هو . فإذا ثبت أنه غني عن الكل . ثبت أنه لا يستكمل بطاعات المطيعين ولا ينتقص بمعاصي المذنبين . وإذا ثبت أنه ذو الرحمة ؛ ثبت أنه ما رتب العذاب على الذنوب ، ولا الثواب على الطاعات ، إلا لأجل الرحمة والفضل والكرم والجود والإحسان ، كما قال في آية أخرى : * ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) * ( الإسراء : 7 ) فهذا البيان الإجمالي كاف في هذا الباب . وأما تفصيل تلك الحالة وشرحها على البيان التام ، فمما لا يليق بهذا الموضع . المسألة الثانية : أما المعتزلة فقالوا : هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلاً منزهاً عن فعل القبيح ، وعلى كونه رحيماً محسناً بعباده . أما المطلوب الأول فقال : تقريره أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنه ، وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح . أما المقدمة الأولى ، فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة . أولها : أن في الحوادث