فخر الدين الرازي

198

تفسير الرازي

في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وحده * ( تعملون ) * بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء على الغيبة . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الثواب والدرجات ، وأحوال أهل العقاب والدركات ذكر كلاماً كلياً ، فقال : * ( ولكل درجات مما عملوا ) * وفي الآية قولان : القول الأول : أن قوله : * ( ولكل درجات مما عملوا ) * عام في المطيع والعاصي ، والتقدير : ولكل عامل عمل فله في عمله درجات ، فتارة يكون في درجة ناقصة ، وتارة يترقى منها إلى درجة كاملة ، وأنه تعالى عالم بها على التفصيل التام ، فرتب على كل درجة من تلك الدرجات ما يليق به من الجزاء ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر . والقول الثاني : أن قوله : * ( ولكل درجات مما عملوا ) * مختص بأهل الطاعة ، لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم . وقوله : * ( وما ربك بغافل عما تعملون ) * مختص بأهل الكفر والمعصية والصواب هو الأول . المسألة الثالثة : اعلم أن هذه الآية تدل أيضاً على صحة قولنا في مسألة الجبر والقدر ، وذلك لأنه تعالى حكم لكل واحد في وقت معين بحسب فعل معين بدرجة معينة ، وعلم تلك الدرجة بعينها وأثبت تلك الدرجة المعينة في اللوح المحفوظ وأشهد عليه زمر الملائكة المقربين ، فلو لم تحصل تلك الدرجة لذلك الإنسان لبطل ذلك الحكم ، ولصار ذلك العلم جهلاً ، ولصار ذلك الإشهاد كذباً وكل ذلك محال . فثبت أن لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما تعملون ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ، والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه . قوله تعالى * ( وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ * إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لأَتٍ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ) * . في الآية مسائل :