فخر الدين الرازي
196
تفسير الرازي
أما قوله : * ( يقصون عليكم آياتي ) * فالمراد منه التنبيه على الأدلة بالتلاوة وبالتأويل * ( وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) * أي يخوفونكم عذاب هذا اليوم فلم يجدوا عند ذلك إلا الاعتراف ، فلذلك قالوا : شهدنا على أنفسنا . فإن قالوا : ما السبب في أنهم أقروا في هذه الآية بالكفر وجحدوه في قوله : * ( والله ربنا ما كنا مشركين ) * . قلنا : يوم القيامة يوم طويل والأحوال فيه مختلفة ، فتارة يقرون ، وأخرى يجحدون ، وذلك يدل على شدة خوفهم واضطراب أحوالهم ، فإن من عظم خوفه كثر الاضطراب في كلامه . ثم قال تعالى : * ( وغرتهم الحياة الدنيا ) * والمعنى أنهم لما أقروا على أنفسهم بالكفر ، فكأنه تعالى يقول : وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم غرتهم الحياة الدنيا . ثم قال تعالى : * ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) * والمراد أنهم وإن بالغوا في عداوة الأنبياء والطعن في شرائعهم ومعجزاتهم ، إلا أن عاقبة أمرهم أنهم أقروا على أنفسهم بالكفر ، ومن الناس من حمل قوله : * ( وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) * بأن تشهد عليهم الجوارح بالشرك والكفر ، ومقصودهم دفع التكرار عن الآية ، وكيفما كان ، فالمقصود من شرح أحوالهم في القيامة زجرهم في الدنيا عن الكفر والمعصية . واعلم أن أصحابنا يتمسكون بقوله تعالى : * ( ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ) * على أنه لا يحصل الوجوب البتة قبل ورود الشرع ، فإنه لو حصل الوجوب واستحقاق العقاب قبل ورود الشرع لم يكن لهذا التعليل والذكر فائدة . قوله تعالى * ( ذلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) * . اعلم أنه تعالى لما بين أنه ما عذب الكفار إلا بعد أن بعث إليهم الأنبياء والرسل بين بهذه الآية أن هذا هو العدل والحق والواجب ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : قوله : * ( ذلك ) * إشارة إلى ما تقدم من بعثة الرسل إليهم وإنذارهم سوء العاقبة وهو خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : الأمر ذلك . وأما قوله : * ( أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ) * ففيه وجوه : أحدها : أنه تعليل ، والمعنى :