فخر الدين الرازي

194

تفسير الرازي

الخبيثة تنضم إلى ما يشاكلها في الخبث ، وكذا القول في الأرواح الطاهرة ، فكل أحد يهتم بشأن من يشاكله في النصرة والمعونة والتقوية . والله أعلم . المسألة الثانية : الآية تدل على أن الرعية متى كانوا ظالمين ، فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم . وأيضاً الآية تدل على أنه لا بد في الخلق من أمير وحاكم ، لأنه تعالى إذا كان لا يخلي أهل الظلم من أمير ظالم ، فبأن لا يخلي أهل الصلاح من أمير يحملهم على زيادة الصلاح كان أولى . قال علي رضي الله عنه : لا يصلح للناس إلا أمير عادل أو جائر ، فأنكروا قوله : أو جائر فقال : نعم يؤمن السبيل ، ويمكن من إقامة الصلوات ، وحج البيت . وروي أن أبا ذر سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الإمارة ، فقال له : " إنك ضعيف وإنها أمانة وهي في القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها " وعن مالك بن دينار : جاء في بعض كتب الله تعالى - أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيها بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة لا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك لكن توبوا إلى أعطفهم عليكم - . أما قوله * ( بما كانوا يكسبون ) * فالمعنى نولي بعض الظالمين بعضاً بسبب كون ذلك البعض مكتسباً للظلم ، والمراد منه ما بينا أن الجنسية علة للضم . قوله تعالى * ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ) * . اعلم أن هذه الآية من بقية ما يذكره الله تعالى في توبيخ الكفار يوم القيامة ، وبين تعالى أنه لا يكون لهم إلى الجحود سبيل ، فيشهدون على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين ، وإنهم لم يعذبوا إلا بالحجة . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال أهل اللغة : المعشر . كل جماعة أمرهم واحد ، ويحصل بينهم معاشرة