فخر الدين الرازي

189

تفسير الرازي

أنواع السلامة حاصلة فيها بأسرها . إذا عرفت هذين القولين : فالقائلون بالقول الأول قالوا به لأنه أولى ، لأن إضافة الدار إلى الله تعالى نهاية في تشريفها وتعظيمها وإكبار قدرها ، فكان ذكر هذه الإضافة مبالغة في تعظيم الأمر والقائلون بالقول الثاني رجحوا قولهم من وجهين : الأول : أن وصف الدار بكونها دار السلامة أدخل في الترغيب من إضافة الدار إلى الله تعالى ، والثاني : أن وصف الله تعالى بأنه السلام في الأصل مجاز ، وإنما وصف بذلك لأنه تعالى ذو السلام ، فإذا أمكن حمل الكلام على حقيقته كان أولى . النوع الثاني : من الفوائد المذكورة في هذه الآية قوله : * ( عند ربهم ) * وفي تفسيره وجوه : الوجه الأول : المراد أنه معد عنده تعالى كما تكون الحقوق معدة مهيأة حاضرة ، ونظيره قوله تعالى : * ( جزاؤهم عند ربهم ) * وذلك نهاية في بيان وصولهم إليها ، وكونهم على ثقة من ذلك . الوجه الثاني : وهو الأقرب إلى التحقيق أن قوله : * ( عند ربهم ) * يشعر بأن ذلك الأمر المدخر موصوف بالقرب من الله تعالى ، وهذا القرب لا يكون بالمكان والجهة ، فوجب كونه بالشرف والعلو والرتبة ، وذلك يدل على أن ذلك الشيء بلغ في الكمال والرفعة إلى حيث لا يعرف كنهه إلا الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : * ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ) * ( السجدة : 17 ) . الوجه الثالث : أنه قال في صفة الملائكة : * ( ومن عنده لا يستكبرون ) * وقال في صفة المؤمنين في الدنيا - أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي - وقال أيضاً - أنا عند ظن عبدي بي - وقال في صفتهم يوم القيامة : * ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) * ( القمر : 55 ) وقال في دارهم : * ( لهم دار السلام عند ربهم ) * وقال في ثوابهم : * ( جزاؤهم عند ربهم ) * ( البينة : 8 ) وذلك يدل على أن حصول كمال صفة العبودية بواسطة صفة العندية . النوع الثالث : من التشريفات المذكورة في هذه الآية قوله : * ( وهو وليهم ) * والولي معناه القريب ، فقوله : * ( عند ربهم ) * يدل على قربهم من الله تعالى ، وقوله : * ( وهو وليهم ) * يدل على قرب الله منهم ، ولا نرى في العقل درجة للعبد أعلى من هذه الدرجة ، وأيضاً فقوله : * ( وهو وليهم ) * يفيد الحصر ، أي لا ولي لهم إلا هو ، وكيف وهذا التشريف إنما حصل على التوحيد المذكور في قوله : * ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) * فهؤلاء الأقوام قد عرفوا من هذه الآية أن المدبر والمقدر ليس إلا هو ، وأن النافع والضار ليس إلا هو ، وأن المسعد والمشقي ليس إلا هو ، وأنه لا مبدئ للكائنات والممكنات إلا هو ، فلما عرفوا هذا انقطعوا عن كل ما سواه ، فما كان رجوعهم إلا إليه ، وما كان توكلهم إلا عليه ، وما كان أنسهم إلا به ،