فخر الدين الرازي
175
تفسير الرازي
بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مراراً . قوله تعالى * ( وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ) * . اعلم أنه تعالى حكى عن مكر هؤلاء الكفار وحسدهم أنهم متى ظهرت لهم معجزة قاهرة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا : لن نؤمن حتى يحصل لنا مثل هذا المنصب من عند الله ، وهذا يدل على نهاية حسدهم ، وأنهم إنما بقوا مصرين على الكفر لا لطلب الحجة والدلائل ، بل لنهاية الحسد . قال المفسرون : قال الوليد بن المغيرة : والله لو كانت النبوة حقاً لكنت أنا أحق بها من محمد ، فإني أكثر منه مالاً وولداً ، فنزلت هذه الآية . وقال الضحاك : أراد كل واحد منهم أن يخص بالوحي والرسالة ، كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله : * ( بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ) * فظاهر الآية التي نحن في تفسيرها يدل على ذلك أيضاً لأنه تعالى قال : * ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) * وهذا يدل على أن جماعة منهم كانوا يقولون هذا الكلام . وأيضاً فما قبل هذه الآية يدل على ذلك أيضاً ، وهو قوله : * ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ) * ثم ذكر عقيب تلك الآية أنهم قالوا : * ( لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) * وظاهره يدل على أن المكر المذكور في الآية الأولى هو هذا الكلام الخبيث . وأما قوله تعالى : * ( لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) * ففيه قولان : القول الأول : وهو المشهور ، أراد القوم أن تحصل لهم النبوة والرسالة ، كما حصلت لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ، ومخدومين لا خادمين . والقول الثاني : وهو قول الحسن ، ومنقول عن ابن عباس : أن المعنى ، وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع النبي . قالوا : * ( لن نؤمن حتى تؤتى مثل ما أوتي رسل الله ) * وهو قول مشركي العرب * ( لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ) * إلى قوله : * ( حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه ) *