فخر الدين الرازي

171

تفسير الرازي

فقال أصحابنا : ذلك المزين هو الله تعالى ، ودليله ما سبق ذكره من أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصوله لا بد وأن يكون بخلق الله تعالى ، والداعي عبارة عن علم أو اعتقاد أو ظن باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد وصلاح راجح ، فهذا الداعي لا معنى له إلا هذا التزيين ، فإذا كان موجد هذا الداعي هو الله تعالى كان المزين لا محالة هو الله تعالى ، وقالت المعتزلة : ذلك المزين هو الشيطان ، وحكوا عن الحسن أنه قال : زينه لهم والله الشيطان . واعلم أن هذا في غاية الضعف لوجوه : الأول : الدليل القاطع الذي ذكرناه . والثاني : أن هذا المثل مذكور ليميز الله حال المسلم من الكافر فيدخل فيه الشيطان . فإن كان إقدام ذلك الشيطان على ذلك الكفر لشيطان آخر ، لزم الذهاب إلى مزين آخر غير النهاية . وإلا فلا بد من مزين آخر سوى الشيطان . الثالث : أنه تعالى صرح بأن ذلك المزين ليس إلا هو فيما قبل هذه الآية وما بعدها ، أما قبلها فقوله : * ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ) * وأما بعد هذه الآية فقوله : * ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ) * . المسألة الثانية : قوله : * ( أو من كان ميتاً فأحييناه ) * قرأ نافع * ( ميتاً ) * مشدداً ، والباقون مخففاً قال أهل اللغة : الميت مخففاً تخفيف ميت ، ومعناهما واحد ثقل أو خفف . المسألة الثالثة : قال أهل المعاني : قد وصف الكفار بأنهم أموات في قوله : * ( أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ) * ( النحل : 21 ) وأيضاً في قوله : * ( لينذر من كان حياً ) * ( يس : 70 ) وفي قوله : * ( إنك لا تسمع الموتى ) * ( النمل : 80 ) وفي قوله : * ( وما يستوي الأعمى والبصير * وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) * ( فاطر : 19 و 22 ) فلما جعل الكفر موتاً والكافر ميتاً ، جعل الهدى حياة والمهتدي حياً ، وإنما جعل الكفر موتاً لأنه جهل ، والجهل يوجب الحيرة والوقفة ، فهو كالموت الذي يوجب السكون ، وأيضاً الميت لا يهتدي إلى شيء ، والجاهل كذلك ، والهدى علم وبصر ، والعلم والبصر سبب لحصول الرشد والفوز بالنجاة ، وقوله : * ( وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس ) * عطف على قوله * ( فأحييناه ) * فوجب أن يكون هذا النور مغايراً لتلك الحياة والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى أن الأرواح البشرية لها أربع مراتب في المعرفة . فأولها : كونها مستعدة لقبول هذه المعارف وذلك الاستعداد الأصلي يختلف في الأرواح ، فربما كانت الروح موصوفة باستعداد كامل قوي شريف ، وربما كان ذلك الاستعداد قليلاً ضعيفاً ، ويكون صاحبه بليداً ناقصاً . والمرتبة الثانية : أن يحصل لها العلوم الكلية الأولية ، وهي المسماة بالعقل . والمرتبة الثالثة : أن يحاول ذلك الإنسان تركيب تلك البديهيات : ويتوصل بتركيبها إلى