فخر الدين الرازي
166
تفسير الرازي
* ( فصل ) * بالفتح * ( وحرم ) * بالضم ، فمن قرأ بالفتح في الحرفين فقد احتج بوجهين : الأول : أنه تمسك في فتح قوله : * ( فصل ) * بقوله : * ( قد فصلنا الآيات ) * وفي فتح قوله : * ( حرم ) * بقوله : * ( أتل ما حرم ربكم ) * . والوجه الثاني : التمسك بقوله : * ( مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) * فيجب أن يكون الفعل مسنداً إلى الفاعل لتقدم ذكر اسم الله تعالى ، وأما الذين قرؤا بالضم في الحرفين فحجتهم قوله : * ( حرمت عليكم الميتة والدم ) * وقوله : * ( حرمت ) * تفصيل لما أجمل في هذه الآية ، فلما وجب في التفصيل أن يقال : * ( حرمت عليكم الميتة ) * بفعل ما لم يسم فاعله وجب في الإجمال كذلك وهو قوله : * ( ما حرم عليكم ) * ولما ثبت وجوب * ( حرم ) * بضم الحاء فكذلك يجب * ( فصل ) * بضم الفاء لأن هذا المفصل هو ذلك المحرم المجمل بعينه . وأيضاً فإنه تعالى قال : * ( وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ) * وقوله : * ( مفصلاً ) * يدل على فصل . وأما من قرأ * ( فصل ) * بالفتح وحرم بالضم فحجته في قوله : * ( فصل ) * قوله : * ( قد فصلنا الآيات ) * وفي قوله : * ( حرم ) * قوله : * ( حرمت عليكم الميتة ) * . المسألة الثانية : قوله : * ( وقد فصل لكم ما حرم عليكم ) * أكثر المفسرين قالوا : المراد منه قوله تعالى في أول سورة المائدة : * ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) * وفيه إشكال : وهو أن سورة الأنعام مكية وسورة المائدة مدنية ، وهي آخر ما أنزل الله بالمدينة . وقوله : * ( وقد فصل ) * يقتضي أن يكون ذلك المفصل مقدماً على هذا المجمل ، والمدني متأخر عن المكي ، والمتأخر يمتنع كونه متقدماً . بل الأولى أن يقال المراد قوله بعد هذه الآية : * ( قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً على طاعم ) * يطعمه . وهذه الآية وإن كانت مذكورة بعد هذه الآية بقليل إلا أن هذا القدر من التأخير لا يمنع أن يكون هو المراد والله أعلم . وقوله : * ( إلا ما اضطررتم إليه ) * أي دعتكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة . ثم قال : * ( وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( ليضلون ) * بفتح الياء وكذلك في يونس * ( ربنا ليضلوا ) * وفي إبراهيم * ( ليضلوا ) * وفي الحج * ( ثاني عطفه ليضل ) * وفي لقمان * ( لهو الحديث ليضل ) * وفي الزمر * ( أنداداً ليضل ) * وقرأ عاصم وحمزة والكسائي جميع ذلك بضم الياء . وقرأ نافع وابن عامر ههنا وفي يونس بفتح الياء ، وفي سائر المواضع بالضم ، فمن قرأ بالفتح أشار إلى كونه ضالاً ، ومن قرأ بالضم أشار إلى كونه مضلاً . قال : وهذا أقوى في الذم لأن كل مضل فإنه يجب كونه ضالاً ، وقد يكون ضالاً ولا يكون مضلاً ، فالمضل أكثر استحقاقاً للذم من الضال . المسألة الثانية : المراد من قوله : * ( ليضلون ) * قيل إنه عمرو بن لحي ، فمن دونه من المشركين . لأنه أول من غير دين إسماعيل واتخذ البحائر والسوائب وأكل الميتة . وقوله : * ( بغير علم ) * يريد أن