فخر الدين الرازي
159
تفسير الرازي
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ، أجاب عنه بأنه لا فائدة في إظهار تلك الآيات ، لأنه تعالى لو أظهرها لبقوا مصرين على كفرهم . ثم إنه تعالى بين في هذه الآية أن الدليل الدال على نبوته قد حصل وكمل ، فكان ما يطلبونه طلباً للزيادة . وذلك مما لا يجب الالتفات إليه ، وإنما قلنا : إن الدليل الدال على نبوته قد حصل لوجهين : الوجه الأول : أن الله قد حكم بنبوته من حيث إنه أنزل إليه الكتاب المفصل المبين المشتمل على العلوم الكثيرة والفصاحة الكاملة ، وقد عجز الخلق عن معارضته . فظهور مثل هذا المعجز عليه يدل على أنه تعالى قد حكم بنبوته ، فقوله : * ( أفغير الله أبتغي حكماً ) * يعني قل يا محمد : إنكم تتحكمون في طلب سائر المعجزات ، فهل يجوز في العقل أن يطلب غير الله حكماً ؟ فإن كل أحد يقول إن ذلك غير جائز . ثم قل : إنه تعالى حكم بصحة نبوتي حيث خصني بمثل هذا الكتاب المفصل الكامل البالغ إلى حد الإعجاز . والوجه الثاني : من الأمور الدالة على نبوته ؛ اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على أن محمداً عليه الصلاة والسلام رسول حق ، وعلى أن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى ، وهو المراد من قوله : * ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) * ( الأنعام : 114 ) وبالجملة فالوجهان مذكوران في قوله تعالى : * ( قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) * ( الرعد : 43 ) . أما قوله تعالى في آخر الآية : * ( فلا تكونن من الممترين ) * ففيه وجوه : الأول : أن هذا من باب التهييج والإلهاب كقوله : * ( ولا تكونن من المشركين ) * والثاني : التقدير * ( فلا تكونن من الممترين ) * في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق . والثالث : يجوز أن يكون قوله : * ( فلا تكونن ) * خطاباً لكل واحد والمعنى أنه لما ظهرت الدلائل فلا ينبغي أن يمتري فيها أحد . الرابع : قيل هذا الخطاب وإن كان في الظاهر للرسول إلا أن المراد منه أمته . المسألة الثانية : قوله : * ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) * قرأ ابن عامر وحفص * ( منزل ) * بالتشديد والباقون بالتخفيف ، والفرق بين التنزيل والإنزال قد ذكرناه مراراً . المسألة الثالثة : قال الواحدي : * ( أفغير الله أبتغي حكماً ) * الحكم والحاكم واحد عند أهل اللغة ، غير أن بعض أهل التأويل قال الحكم أكمل من الحاكم لأن الحاكم كل من يحكم . وأما الحكم فهو الذي لا يحكم إلا بالحق والمعنى أنه تعالى حكم حق لا يحكم إلا بالحق . فلما أظهر المعجز الواحد وهو القرآن فقد حكم بصحة هذه النبوة ، ولا مرتبة فوق حكمه فوجب القطع بصحة هذه النبوة . فأما