فخر الدين الرازي
146
تفسير الرازي
الحكم الثاني أن هذا الكلام إنما يستقيم لو كان لإظهار هذه المعجزات أثر في حملهم على الإيمان ، وعلى قول المجبرة ذلك باطل ، لأن عندهم الإيمان إنما يحصل بخلق الله تعالى ، فإذا خلقه حصل ، وإذا لم يخلقه لم يحصل ، فلم يكن لفعل الإلطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات . وأقول هذا الذي قاله القاضي غير لازم . أما الأول : فلأن القوم قالوا : لو جئتنا يا محمد بآية لآمنا بك ، فهذا الكلام في الحقيقة مشتمل على مقدمتين : إحداهما : أنك لو جئتنا بهذه المعجزات لآمنا بك . والثانية : أنه متى كان الأمر كذلك وجب عليك أن تأتينا بها ، والله تعالى كذبهم في المقام الأول ، وبين أنه تعالى وإن أظهرها لهم فهم لا يؤمنون ، ولم يتعرض البتة للمقام الثاني ، ولكنه في الحقيقة باق . فإن لقائل أن يقول : هب أنهم لا يؤمنون عند إظهار تلك المعجزات ، فلم لم يجب على الله تعالى إظهارها ؟ اللهم إلا إذا ثبت قبل هذا البحث أن اللطف واجب على الله تعالى ، فحينئذ يحصل هذا المطلوب من هذه الآية ، إلا أن القاضي جعل هذه الآية دليلاً على وجوب اللطف ، فثبت أن كلامه ضعيف . وأما البحث الثاني : وهو قوله : إذا كان الكل بخلق الله تعالى لم يكن لهذه الألطاف أثر فيه ، فنقول : الذي نقول به أن المؤثر في الفعل هو مجموع القدرة مع الداعي والعلم بحصول هذا اللطف أحد أجزاء الداعي وعلى هذا التقدير . فيكون لهذا اللطف أثر في حصول الفعل . قوله تعالى * ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * . هذا أيضاً من الآيات الدالة على قولنا : إن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره ، والتقلب والقلب واحد ، وهو تحويل الشيء عن وجهه ، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار : هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول ، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات ، والمقصود من هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها البتة .