فخر الدين الرازي
144
تفسير الرازي
بالعندية أن العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إقدام هؤلاء الكفار على الإيمان أم لا ليس إلا عند الله ؟ ولفظ العندية بهذا المعنى كما في قوله : * ( وعنده مفاتح الغيب ) * ويحتمل أن يكون المراد أنها وإن كانت في الحال معدومة ؛ إلا أنه تعالى متى شاء إحداثها أحدثها ، فهي جارية مجرى الأشياء الموضوعة عند الله يظهرها متى شاء ، وليس لكم أن تتحكموا في طلبها ولفظ * ( عند ) * بهذا المعنى هنا كما في قوله : * ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ) * ( الحجر : 21 ) . ثم قال تعالى : * ( وما يشعركم ) * قال أبو علي " ما " استفهام وفاعل يشعركم ضمير " ما " والمعنى : وما يدريكم إيمانهم ؟ فحذف المفعول ، وحذف المفعول كثير . والتقدير : وما يدريكم إيمانهم ، أي بتقدير أن تجيئهم هذه الآيات فهم لا يؤمنون . وقوله : * ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) * قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( إنها ) * بكسر الهمزة على الاستئناف وهي القراءة الجيدة . والتقدير : أن الكلام تم عند قوله : * ( وما يشعركم ) * أي وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال : * ( أنها إذا جاءت لا يؤمنون ) * قال سيبويه : سألت الخليل عن القراءة بفتح الهمزة في أن وقلت لم لا يجوز أن يكون التقدير ما يدريك أنه لا يفعل ؟ فقال الخليل : إنه لا يحسن ذلك ههنا لأنه لو قال : * ( وما يشعركم أنها ) * بالفتح لصار ذلك عذراً لهم ، هذا كلام الخليل . وتفسيره إنما يظهر بالمثال فإذا اتخذت ضيافة وطلبت من رئيس البلد أن يحضر فلم يحضر ، فقيل لك لو ذهبت أنت بنفسك إليه لحضر ، فإذا قلت : وما يشعركم أني لو ذهبت إليه لحضر كان المعنى : أني لو ذهبت إليه بنفسي فإنه لا يحضر أيضاً فكذا ههنا قوله : * ( وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون ) * معناه أنها إذا جاءت آمنوا . وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً للكفار في طلب الآيات ، والمقصود من الآية دفع حجتهم في طلب الآيات ، فهذا تقرير كلام الخليل وقرأ الباقون من القراء * ( أنها ) * بالفتح وفي تفسيره وجوه : الأول : قال الخليل : * ( أن ) * بمعنى لعل تقول العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك ، فكأنه تعالى قال لعلها إذا جاءت لا يؤمنون قال الواحدي : * ( أن ) * بمعنى لعل كثير في كلامهم قال الشاعر : أريني جواداً مات هولاً لأنني * أرى ما تريني أو بخيلاً مخلداً وقال آخر : هل أنتم عاجلون بنا لأنا * نرى العرصات أو أثر الخيام وقال عدي بن حاتم : أعاذل ما يدريك أن منيتي * إلى ساعة في اليوم أوفي ضحى الغد وقال الواحدي : وفسر علي - لعل منيتي - روى صاحب " الكشاف " أيضاً في هذا المعنى قول امرئ القيس : عوجاً على الطلل المحيل لأننا * نبكي الديار كما بكى ابن خذام