فخر الدين الرازي
130
تفسير الرازي
والحجة الثانية : أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل والله تعالى ليس كذلك ، فوجب أن تمتنع رؤيته . والحجة الثالثة : قال القاضي : ويقال لهم كيف يراه أهل الجنة دون أهل النار ؟ إما أن يقرب منهم أو يقابلهم فيكون حالهم معه بخلاف أهل النار وهذا يوجب أنه جسم يجوز عليه القرب والبعد والحجاب . والحجة الرابعة : قال القاضي : إن قلتم إن أهل الجنة يرونه في كل حال حتى عند الجماع وغيره فهو باطل ، أو يرونه في حال دون حال وهذا أيضاً باطل ، لأن ذلك يوجب أنه تعالى مرة يقرب وأخرى يبعد . وأيضاً فرؤيته أعظم اللذات ، وإذا كان كذلك وجب أن يكونوا مشتهين لتلك الرؤية أبداً . فإذا لم يروه في بعض الأوقات وقعوا في الغم والحزن وذلك لا يليق بصفات أهل الجنة . فهذا مجموع ما ذكره في " كتاب التفسير " . واعلم أن هذه الوجوه في غاية الضعف . أما الوجه الأول : فيقال له هب أن رؤية الأجسام والأعراض عند حصول سلامة الحاسة وحضور المرئي وحصول سائر الشرائط واجبة ، فلم قلتم إنه يلزم منه أن يكون رؤية الله تعالى عند سلامة الحاسة وعند كون المرئي بحيث يصح رؤيته واجبة ؟ ألم تعلموا أن ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات ، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه ، والعجب من هؤلاء المعتزلة أن أولهم وآخرهم عولوا على هذا الدليل وهم يدعون الفطنة التامة والكياسة الشديدة ولم يتنبه أحد منهم لهذا السؤال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام . وأما الوجه الثاني : فيقال له إن النزاع بيننا وبينك وقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا ؟ فإما أن تدعوا أن العلم بامتناع رؤية هذا الموجود الموصوف بهذه الصفة علم بديهي أو تقولوا أنه علم استدلالي ، والأول باطل لأنه لو كان العلم به بديهياً لما وقع الخلاف فيه بين العقلاء . وأيضاً فبتقدير أن يكون هذا العلم بديهياً كان الاشتغال بذكر الدليل عبثاً فاتركوا الاستدلال واكتفوا بادعاء البديهة . وإن كان الثاني فنقول : قولكم المرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل إعادة لعين الدعوى ، لأن حاصل الكلام أنكم قلتم : الدليل على أن ما لا يكون مقابلاً ولا في حكم المقابل لا تجوز رؤيته ، أن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل ، ومعلوم أنه لا فائدة في هذا الكلام إلا إعادة الدعوى . وأما الوجه الثالث : فيقال له لم لا يجوز أن يقال إن أهل الجنة يرونه وأهل النار لا يرونه ؟ لا لأجل القرب والبعد كما ذكرت ، بل لأنه تعالى يخلق الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها