فخر الدين الرازي

125

تفسير الرازي

وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة . أما المقام الأول : فتقريره : أنه تعالى تمدح بقوله : * ( لا تدركه الأبصار ) * وذلك مما يساعد الخصم عليه ، وعليه بنوا استدلالهم في إثبات مذهبهم في نفي الرؤية . وإذا ثبت هذا فنقول : لو لم يكن تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله : * ( لا تدركه الأبصار ) * ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته . والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها ، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها ، فثبت أن قوله : * ( لا تدركه الأبصار ) * يفيد المدح ، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية ، وهذا يدل على أن قوله تعالى : * ( لا تدركه الأبصار ) * يفيد كونه تعالى جائز الرؤية ، وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث يمتنع رؤيته ، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء . أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ، ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة . فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته . وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، والدليل عليه أن القائل قائلان : قائل قال بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه ، وقائل قال لا يرونه ولا تجوز رؤيته . فأما القول بأنه تعالى تجوز رؤيته مع أنه لا يراه أحد من المؤمنين فهو قول لم يقل به أحد من الأمة فكان باطلاً . فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية تدل على أنه تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وثبت أنه متى كان الأمر كذلك ، وجب القطع بأن المؤمنين يرونه ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على حصول الرؤية وهذا استدلال لطيف من هذه الآية . الوجه الثاني : أن نقول المراد بالأبصار في قوله : * ( لا تدركه الأبصار ) * ليس هو نفس الإبصار فإن البصر لا يدرك شيئاً البتة في موضع من المواضع . بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله * ( لا تدركه الأبصار ) * هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله : * ( وهو يدرك الأبصار ) * المراد منه وهو يدرك المبصرين ، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله : * ( وهو يدرك الأبصار ) * يقتضي كونه تعالى مبصراً لنفسه ، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته ، وكان تعالى يرى نفسه . وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه ، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة ، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصاراً قلنا : قوله تعالى : * ( وهو يدرك الأبصار ) * المراد منه إما نفس البصر أو المبصر ، وعلى