فخر الدين الرازي

122

تفسير الرازي

واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب " الجبر والقدر " ، ونكتفي ههنا من تلك الكلمات بنكت قليلة . قالت المعتزلة : هذا اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم . فأحدهما : أنه تعالى قال : * ( خالق كل شيء فاعبدوه ) * فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله : * ( خالق كل شيء ) * لصار تقدير الآية : أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى . ومعلوم أن ذلك فاسد . وثانيها : أنه تعالى إنما ذكر قوله : * ( خالق كل شيء ) * في معرض المدح والثناء على نفسه ، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحاً وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر . وثالثها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية : * ( قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ) * ، وهذا تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك ، وأنه لا مانع له البتة من الفعل والترك ، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقاً لله تعالى لما كان العبد مستقلاً به ، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع ، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل . فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلاً بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى ، ثبت أن ذكر قوله : * ( فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها ) * يوجب تخصيص ذلك العموم . ورابعها : أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله : * ( وجعلوا لله شركاء الجن ) * وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم . أحدهما يفعل اللذات والخيرات ، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك : * ( لا إله إلا هو خالق كل شيء ) * يجب أن يكون محمولاً على إبطال ذلك المذهب ، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام ، فإذا حملنا قوله : * ( خالق كل شيء ) * على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد . قالوا : فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى : * ( خالق كل شيء ) * . والجواب : أن نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر الآية . وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى ، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقا لافعال العباد ، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات . ( المسألة الرابعة ) قوله تعالى ( خالق كل شئ فاعبدوه ) يدل على ترتيب الامر بالعبادة على كونه تعالى خالقا لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسبية ، فهذا يقتضى أن يكون كونه تعالى خالقا للأشياء هو الموجب لكونه معبودا على الاطلاق ، والاله