فخر الدين الرازي
13
تفسير الرازي
واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه ينيمهم أولاً ثم يوقظهم ثانياً كان ذلك جارياً مجرى الإحياء بعد الإماتة ، لا جرم استدل بذلك على صحة البعث والقيامة . فقال : * ( ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون ) * في ليلكم ونهاركم وفي جميع أحوالكم وأعمالكم . قوله تعالى * ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) * . اعلم أن هذا نوع آخر من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وكمال حكمته . وتقريره أنا بينا فيما سبق أنه لا يجوز أن يكون المراد من هذه الآية الفوقية بالمكان والجهة بل يجب أن يكون المراد منها الفوقية بالقهر والقدرة ، كما يقال أمر فلان فوق أمر فلان بمعنى أنه أعلى وأنفذ ومنه قوله تعالى : * ( يد الله فوق أيديهم ) * ( الفتح : 10 ) ومما يؤكد أن المراد ذلك أن قوله : * ( وهو القاهر فوق عباده ) * مشعر بأن هذا القهر إنما حصل بسبب هذه الفوقية ، والفوقية المفيدة لصفة القهر هي الفوقية بالقدرة لا الفوقية بالجهة ، إذ المعلوم أن المرتفع في المكان قد يكون مقهوراً . وتقرير هذا القهر من وجوه : الأول : إنه قهار للعدم بالتكوين والإيجاد ، والثاني : أنه قهار للوجود بالإفناء والإفساد فإنه تعالى هو الذي ينقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى . فلا وجود إلا بإيجاده ولا عدم إلا بإعدامه في الممكنات . والثالث : أنه قهار لكل ضده بضده فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار . وتمام تقريره في قوله : * ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء ) * ( آل عمران : 26 ) . وإذا عرفت منهج الكلام . فاعلم أنه بحر لا ساحل له لأن كل مخلوق فله ضد ، فالفوق ضده التحت ، والماضي ضده المستقبل ، والنور ضده الظلمة ، والحياة ضدها الموت ، والقدرة ضدها العجز . وتأمل في سائل الأحوال والصفات لتعرف أن حصول التضاد بينها يقضي عليها بالمقهورية والعجز والنقصان ، وحصول هذه الصفات في الممكنات يدل على أن لها مدبراً قادراً قاهراً منزهاً عن الضد والند ، مقدساً عن الشبيه والشكل . كما قال : * ( وهو القاهر فوق عباده ) * والرابع : أن هذا