فخر الدين الرازي

108

تفسير الرازي

فهو أخضر وخضر ، مثل أعور فهو أعور وعور . وقال الليث : الخضر في كتاب الله هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر ، وأقول إنه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في قسمين : حيث قال : * ( إن الله فالق الحب والنوى ) * فالذي ينبت من الحب هو الزرع ، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضاً في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع ، وهو المراد بقوله : * ( فأخرجنا منه خضراً ) * وهو الزرع ، كما رويناه عن الليث . وقال ابن عباس : يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز ، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولاً ويكون السنبل في أعلاه وقوله : * ( نخرج منه حباً متراكباً ) * يعني يخرج من ذلك الخضر حباً متراكباً بعضه على بعض في سنبلة واحدة ، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض ، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الأبر ، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة . ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى ، وهو القسم الثاني فقال : * ( ومن النخل من طلعها قنوان دانية ) * وههنا مباحث : البحث الأول : أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل ، وهذا يدل على أن الزرع أفضل من النخل . وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفاً مطولاً . البحث الثاني : روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال : أطلعت النخل إذا أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض ، والأغريض يسمى طلعاً أيضاً . قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة ، الواحدة طلعة . وأما * ( قنوان ) * فقال الزجاج : القنوان جمع قنو . مثل صنوان وصنو . وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون ، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون للجمع . إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول : قوله : * ( قنوان دانية ) * قال ابن عباس : يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها . وروى عنه أيضاً أنه قال : قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج : ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال : * ( سرابيل تقيكم الحر ) * ( النحل : 81 ) ولم يقل سرابيل تقيكم البرد ، لأن ذكر أحد الضدين يدل على الثاني ، فكذا ههنا وقيل أيضاً : ذكر الدانية في القريبة ، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر . والبحث الثالث : قال صاحب " الكشاف " * ( قنوان ) * رفع بالابتداء * ( ومن النخل ) * خبره * ( ومن طلعها ) * بدل منه كأنه قيل : وحاصلة من طلع النخل قنوان ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً لدلالة