فخر الدين الرازي

8

تفسير الرازي

ويقرب منه قوله صلى الله عليه وسلم : " أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس " وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه " وهذا قول أكثر المفسرين . والقول الثاني : أن الضمير في قوله * ( فهو كفارة له ) * عائد إلى القاتل والجارح ، يعني أن المجني عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني ، يعني لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو ، وأما المجني عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى . ثم قال تعالى : * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) * وفيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال أولاً : * ( فأولئك هم الكافرون ) * ( المائدة : 44 ) وثانياً : * ( هم الظالمون ) * والكفر أعظم من الظلم ، فلما ذكر أعظم التهديدات أولاً ، فأي فائدة في ذكر الأخف بعده ؟ وجوابه : أن الكفر من حيث أنه إنكار لنعمة المولى وجحود لها فهو كفر ، ومن حيث إنه يقتضي إبقاء النفس في العقاب الدائم الشديد فهو ظلم على النفس ، ففي الآية الأولى ذكر الله ما يتعلق بتقصيره في حق الخالق سبحانه ، وفي هذه الآية ذكر ما يتعلق بالتقصير في حق نفسه . قوله تعالى * ( وَقَفَّيْنَا عَلَى ءاثَارِهِم بِعَيسَى بْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْرَاةِ وَءَاتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُوراٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) * . قفيته : مثل عقبته إذا اتبعته ، ثم يقال : عقبته بفلان وقفيته به ، فتعديه إلى الثاني بزيادة الباء . فإن قيل : فأين المفعول الأول في الآية ؟ قلنا : هو محذوف ، والظرف وهو قوله * ( على آثارهم ) * كالساد مسده ، لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه ، والضمير في * ( آثارهم ) * للنبيّين في قوله * ( يحكم بها النبيّون الذين أسلموا للذين هادوا ) * ( المائدة : 44 ) وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى وصف عيسى ابن مريم بكونه مصدقاً لما بين يديه من التوراة ،