فخر الدين الرازي
9
تفسير الرازي
* ( درجة ) * نصب على التمييز . ثم قال : * ( وكلا وعد الله الحسنى ) * أي وكلا من القاعدين والمجاهدين فقد وعده الله الحسنى وقال الفقهاء : وفيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية ، وليس على كل واحد بعينه لأنه تعالى وعد القاعدين الحسنى كما وعد المجاهدين ، ولو كان الجهاد واجباً على التعيين لما كان القاعد أهلاً لوعد الله تعالى إياه الحسنى . ثم قال تعالى : * ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في انتصاب قوله : * ( أجراً ) * وجهان : الأول : انتصب بقوله : * ( وفضل ) * لأنه في معنى قولهم : آجرهم أجراً ، ثم قوله : * ( درجات منه ومغفرة ورحمة ) * بدل من قوله : * ( أجراً ) * . الثاني : انتصب على التمييز و * ( درجات ) * عطف بيان * ( ومغفرة ورحمة ) * معطوفان على * ( درجات ) * . المسألة الثانية : لقائل أن يقول : إنه تعالى ذكر أولاً * ( درجة ) * ، وههنا * ( درجات ) * ، وجوابه من وجوه : الأول : المراد بالدرجة ليس هو الدرجة الواحدة بالعدد ، بل بالجنس ، والواحد بالجنس يدخل تحته الكثير بالنوع ، وذلك هو الأجر العظيم ، والدرجات الرفيعة في الجنة المغفرة والرحمة . الثاني : أن المجاهد أفضل من القاعد الذي يكون من الأضراء بدرجة ، ومن القاعد الذي يكون من الأصحاء بدرجات ، وهذا الجواب إنما يتمشى إذا قلنا بأن قوله : * ( غير أولى الضرر ) * لا يوجب حصول المساواة بين المجاهدين وبين القاعدين الأضراء . الثالث : فضل الله المجاهدين في الدنيا بدرجة واحدة وهي الغنيمة ، وفي الآخرة بدرجات كثيرة في الجنة بالفضل والرحمة والمغفرة . الرابع : قال في أول الآية * ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ) * ولا يمكن أن يكون المراد من هذا المجاهد هو المجاهد بالمال والنفس فقط ، وإلا حصل التكرار ، فوجب أن يكون المراد منه من كان مجاهداً على الإطلاق في كل الأمور ، أعني في عمل الظاهر ، وهو الجهاد بالنفس والمال والقلب وهو أشرف أنواع المجاهدة ، كما قال عليه السلام : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وحاصل هذا الجهاد صرف القلب من الالتفات إلى غير الله إلى الاستغراق في طاعة الله ، ولما كان هذا المقام أعلى مما قبله لا جرم جعل فضيلة الأول درجة ، وفضيلة هذا الثاني درجات . المسألة الثالثة : قالت الشيعة : دلّت هذه الآية على أن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل من أبي بكر ، وذلك لأن عليا كان أكثر جهاداً ، فالقدر الذي فيه حصل التفاوت كان أبو بكر من