فخر الدين الرازي
18
تفسير الرازي
آخر ، فذلك لا يسمى قصراً ، ولا اقتصاراً ، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود ، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم ، ليس شيء من ذلك قصراً ، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء آخر ، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى . الثالث : أن * ( من ) * في قوله * ( من الصلاة ) * للتبعيض ، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة ، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة . الرابع : أن لفظ القصر كان مخصوصاً في عرفهم بنقص عدد الركعات ، ولهذا المعنى لما صلّى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين ، قال ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ الخامس : أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية ، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى الركعات ، لئلا يلزم التكرار ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قال الشافعي رحمه الله : القصر رخصة ، فإن شاء المكلف أتم ، وإن شاء اكتفى على القصر ، وقال أبو حنيفة : القصر واجب ، فإن صلّى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته ، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته ، واحتج الشافعي رحمه الله على قوله بوجوه : الأول : أن ظاهر قوله تعالى : * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) * مشعر بعدم الوجوب ، فإنه لا يقال * ( فليس عليكم جناح ) * في أداء الصلاة الواجبة ، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء ، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه ، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات ، بل تخفيف الأعمال . وأعلم أنا بيّنا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره ، فسقط هذا العذر . وذكر صاحب " الكشاف " وجهاً آخر فيه ، فقال : إنهم لما ألفوا الاتمام ، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر ، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ، فيقال له : هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم : رخصت لكم في هذا القصر ، أما إذا قال : أوجبت عليكم هذا القصر ، وحرمت عليكم الاتمام ، وجعلته مفسداً لصلاتكم ، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلاً ، فلا يكون هذا الكلام لائقاً به . الحجة الثانية : ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت : اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله : بأبي أنت وأمي ، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت ، فقال : أحسنت يا عائشة وما عاب علي ، وكان عثمان يتم ويقصر ، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه .