فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
قوله عليه الصلاة والسلام : " وإنما لك امرئ ما نوى " وأيضاً ما روي في قصة جندب بن ضمرة ، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله ، ويقول : اللّهم هذه لك ، وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك ، ثم مات فبلغ خبره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لو توفي بالمدينة لكان خيراً له ، فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله ، لأنه تعالى قال : * ( فقد وقع أجره على الله ) * وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه ذكر لفظ الوقوع ، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط ، قال تعالى : * ( فإذا وجبت جنوبها ) * ( الحج : 26 ) أي وقعت وسقطت . وثانيها : أنه ذكر بلفظ الأجر ، والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة ، فأما الذي لا يكون مستحقاً فذاك لا يسمى أجراً بل هبة . وثالثها : قوله : * ( على الله ) * وكلمة * ( على ) * للوجوب ، قال تعالى : * ( ولله على الناس حج البيت ) * ( آل عمران : 97 ) والجواب : أننا لا ننازع في الوجوب ، لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم ، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية ، وقد ذكرنا دلائله فيما تقدم . المسألة الثالثة : استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من الغنيمة ، كما وجب أجره . وهذا ضعيف ، لأن لفظ الآية مخصوص بالأجر ، وأيضاً فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها ، إذ لا تكون غنيمة إلا بعد حيازتها ، قال تعالى : * ( واعلموا أنما غنمتم من شيء ) * ( الأنفال : 41 ) والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وكان الله غفوراً رحيماً ) * أي يغفر ما كان منه من القعود إلى أن يخرج ، ويرحمه بإكمال أجر المجاهدة . * ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الاَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ) * . اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد إليها معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف ، والاشتغال بمحاربة العدو ؛ فلهذا المعنى ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : يقال قصر فلان صلاته وأقصرها وقصرها ، كل ذلك جائز