فخر الدين الرازي

97

تفسير الرازي

سفر ، وإما جارا ملاصقا ، وإما شريكا في تعلم أو حرفة ، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد أو غير ذلك ، من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه ، فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الاحسان . قيل : الصاحب الجنب : المرأة فإنها تكون معك وتضجع إلى جنبك . النوع العاشر : قوله : * ( وابن السبيل ) * وهو المسافر الذي انقطع عن بلده ، وقيل : الضيف . النوع الحادي عشر : قوله : * ( وما ملكت أيمانكم ) * . واعلم أن الاحسان إلى المماليك طاعة عظيمة ، روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ابتاع شيئا من الخدم فلم توافق شيمته شيمته فليبع وليشتر حتى توافق شيمته شيمته فان للناس شيما ولا تعذبوا عباد الله " وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان آخر كلامه : " الصلاة وما ملكت أيمانكم " وروي أنه كان رجل بالمدينة يضرب عبده ، فيقول العبد أعوذ بالله ويستمعه الرسول عليه السلام ، والسيد كان يزيده ضربا ، فطلع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال : أعوذ برسول الله فتركه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله كان أحق أن يجار عائذه " قال يا رسول الله فإنه حر لوجه الله ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : " والذي نفس محمد بيده لو لم تقلها لدافع وجهك سفع النار " . واعلم أن الاحسان إليهم من وجوه : أحدها : أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به ، وثانيها : أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة ، وثالثها : أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه . وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء ، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن . وقال بعضهم : كل حيوان فهو مملوك ، والاحسان إلى الكل بما يليق به طاعة عظيمة . واعلم أن ذكر اليمين تأكيد وهو كما يقال : مشت رجلك ، وأخذت يدك ، قال عليه الصلاة والسلام : " على اليد ما أخذت " وقال تعالى : * ( مما عملت أيدينا أنعاما ) * ( يس : 71 ) ولما ذكر تعالى هذه الأصناف قال : * ( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) * والمختال ذو الخيلاء والكبر . قال ابن عباس : يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق أحد . قال الزجاج : وإنما ذكر الاختيال ههنا ، وذكرنا اشتقاق هذه اللفظة عند قوله : * ( والخيل المسومة ) * ( آل عمران : 14 ) ومعنى الفخر التطاول ، والفخور الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا . قال ابن عباس : هو الذي يفخر على عباد الله بما أعطاه الله من أنواع نعمه ، وإنما خص الله تعالى هذين الوصفين بالذم في هذا الموضع ، لأن المختال هو المتكبر ، وكل من كان متكبرا فإنه قلما يقوم برعاية الحقوق ، ثم أضاف إليه ذم الفخور لئلا يقدم على رعاية هذه