فخر الدين الرازي

92

تفسير الرازي

يبق بعد الضرب إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم من الظالم فقال : * ( وإن خفتم شقاق بينهما ) * إلى آخر الآية وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : * ( خفتم ) * أي علمتم . قال : وهذا بخلاف قوله : * ( واللاتي تخافون نشوزهن ) * فان ذلك محمول على الظن ، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له أمارات النشوز فعند ذلك يحصل الخوف وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز ، فقد حصل العلم بكونها ناشزة : فوجب حمل الخوف ههنا على العلم . طعن الزجاج فيه فقال : * ( خفتم ) * ههنا بمعنى أيقنتم خطأ ، فانا لو علمنا الشقاق على الحقيقة لم نحتج إلى الحكمين . وأجاب سائر المفسرين بأن وجود الشقاق وإن كان معلوما ، الا أنا لا نعلم أن ذلك الشقاق صدر عن هذا أو عن ذاك ، فالحاجة إلى الحكمين لمعرفة هذا المعنى . ويمكن أن يقال : وجود الشقاق في الحال معلوم ، ومثل هذا لا يحصل منه خوف ، إنما الخوف في أنه هل يبقى ذلك الشقاق أم لا ؟ فالفائدة في بعث الحكمين ليست إزالة الشقاق الثابت في الحال فان ذلك محال ، بل الفائدة إزالة ذلك الشقاق في المستقبل . المسألة الثانية : للشقاق تأويلان : أحدهما : أن كل واحد منهما يفعل ما يشق على صاحبه . الثاني : أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة . المسألة الثالثة : قوله : * ( شقاق بينهما ) * معناه : شقاقا بينهما ، إلا أنه أضيف المصدر إلى الظرف وإضافة المصادر إلى الظروف جائزة لحصولها فيها ، يقال : يعجبني صوم يوم عرفة ، وقال تعالى : * ( بل مكر الليل والنهار ) * ( سبأ : 33 ) . المسألة الرابعة : المخاطب بقوله : * ( فابعثوا حكما من أهله ) * من هو ؟ فيه خلاف : قال بعضهم إنه هو الامام أو من يلي من قبله ، وذلك لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه ، وقال آخرون : المراد كل واحد من صالحي الأمة وذلك لأن قوله : * ( خفتم ) * خطاب للجميع وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية ، فوجب حمله على الكل ، فعلى هذا يجب أن يكون قوله : * ( فان خفتم ) * خطابا لجميع المؤمنين . ثم قال * ( فابعثوا ) * فوجب أن يكون هذا أمراً لآحاد الآمة بهذا المعنى ، فثبت أنه سواء وجد الامام أو لم يوجد ، فللصالحين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها للاصلاح . وأيضا فهذا يجري مجرى دفع الضرر ، ولكل أحد أن يقوم به . المسألة الخامسة : إذا وقع الشقاق بينهما ، فذاك الشقاق إما أن يكون منهما أو منه أو منها ، أو يشكل ، فإن كان منها فهو النشوز وقد ذكرنا حكمه ، وان كان منه ، فإن كان قد فعل فعلا حلالا