فخر الدين الرازي

77

تفسير الرازي

إلا كذا وكذا ، فإنه لو بين ذلك لكان ما عداها صغيرة ، فحينئذ تصير الصغيرة معلومة ، ولكن يجوز أن يبين في بعض الذنوب أنه كبيرة . روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما تعدون الكبائر " فقالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : " الاشراك بالله وقتل النفس المحرمة وعقوق الوالدين والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وقول الزور وأكل الربا وقذف المحصنات الغافلات " وعن عبد الله بن عمر أنه ذكرها وزاد فيها : استحلال آمين البيت الحرام ، وشرب الخمر ، وعن ابن مسعود أنه زاد فيها : القنوط من رحمة الله واليأس من رحمة الله ، والأمن من مكر الله . وذكر عن ابن عباس أنها سبعة ، ثم قال : هي إلى السبعين أقرب . وفي رواية أخرى إلى السبعمائة أقرب والله أعلم . المسألة الثالثة : احتج أبو القاسم الكعبي بهذه الآية على القطع بوعيد أصحاب الكبائر فقال : قد كشف الله بهذه الآية الشبهة في الوعيد ، لأنه تعالى بعد أن قدم ذكر الكبائر ، بين أن من اجتنبها يكفر عن سيآته ، وهذا يدل على أنهم إذا لم يجتنبوها فلا تكفر ، ولو جاز أن يغفر تعالى لهم الكبائر والصغائر من غير توبة لم يصح هذا الكلام . وأجاب أصحابنا من وجوه : الأول : انكم إما أن تستدلوا بهذه الآية من حيث إنه تعالى لما ذكر أن عند اجتناب الكبائر يكفر السيئات ، وجب أن عند عدم اجتناب الكبائر لا يكفرها ، لأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه وهذا باطل . لأن عند المعتزلة هذا الأصل باطل ، وعندنا انه دلالة ظنية ضعيفة ، وإما أن تستدلوا به من حيث أن المعلق بكلمة " إن " على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء ، وهذا أيضا ضعيف ، ويدل عليه آيات : إحداها : قوله : * ( واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون ) * ( البقرة : 172 ) فالشكر واجب سواء عبد الله أو لم يعبد . وثانيها : قوله تعالى : * ( فان أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) * ( البقرة : 283 ) وأداء الأمانة واجب سواء ائتمنه أو لم يفعل ذلك . وثالثها : * ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) * ( البقرة : 282 ) والاستشهاد بالرجل والمرأتين جائز سواء حصل الرجلان أو لم يحصلا . ورابعها : * ( ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ) * والرهن مشروع سواء وجد الكاتب أو لم يجده . وخامسها : * ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) * ( النور : 33 ) والاكراه على البغاء محرم ، سواء أردن التحصن أو لم يردن . وسادسها : * ( وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * ( النساء : 3 ) والنكاح جائز سواء حصل ذلك الخوف أو لم يحصل ، وسابعها : * ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) * والقصر جائز ، سواء حصل الخوف أو لم يحصل وثامنها : * ( فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) * والثلثان كما أنه حق الثلاثة فهو أيضاً حق الثنتين ، وتاسعها : قوله : * ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله ) * ( النساء : 35 ) وذلك جائز سواء حصل