فخر الدين الرازي

68

تفسير الرازي

* ( يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ) * . ( 28 ) ثم قال ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في التخفيف قولان : الأول : المراد منه إباحة نكاح الأمة عند الضرورة وهو قول مجاهد ومقاتل ، والباقون قالوا : هذا عام في كل أحكام الشرع ، وفي جميع ما يسره لنا وسهله علينا ، إحسانا منه إلينا ، ولم يثقل التكليف علينا كما ثقل على بني إسرائيل ، ونظيره قوله تعالى : * ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) * ( الأعراف : 157 ) وقوله : * ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * ( البقرة : 185 ) وقوله : * ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) * ( الحج : 78 ) وقوله عليه الصلاة والسلام : " جئتكم بالحنيفية السهلة السمحة " . المسألة الثانية : قال القاضي : هذا يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى ، إذ لو كان كذلك فالكافرين يخلق فيه الكفر ، ثم يقول له : لا تكفر ، فهذا أعظم وجوه التثقيل ، ولا يخلق فيه الايمان ، ولا قدرة للعبد على خلق الايمان . ثم يقول له : آمن ، وهذا أعظم وجوه التثقيل . قال : ويدل أيضا على أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ، لأنه أعظم وجوه التثقيل . والجواب : أنه معارض بالعلم والداعي ، وأكثر ما ذكرناه . ثم قال : * ( وخلق الانسان ضعيفا ) * والمعنى أنه تعالى لضعف الانسان خفف تكليفه ولم يثقل والأقرب أنه يحمل الضعف في هذا الموضع لا على ضعف الخلقة ، بل يحمل على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة ، فيصير ذلك كالوجه في أن يضعف عن احتمال خلافه . وإنما قلنا : ان هذا الوجه أولى ، لأن الضعف في الخلقة والقوة لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة والآلة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف ، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها ، لا لضعف البدن وقوته ، هذا كله كلام القاضي ، وهو كلام حسن ، ولكنه يهدم أصله ، وذلك لما سلم أن المؤثر في وجود الفعل وعدمه ، قوة الداعية وضعفها فلو تأمل لعلم أن قوة الداعية وضعفها لا بد له من سبب ، فإن كان ذلك لداعية أخرى من العبد لزم التسلسل ، وإن كان الكل من الله ، فذاك هو الحق الذي لا محيد عنه ، وبطل القول بالاعتزال بالكلية والله أعلم . المسألة الثالثة : روي عن ابن عباس أنه قال : ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : * ( يريد الله ليبين لكم ) * ( النساء : 26 ) * ( والله يريد أن يتوب عليكم ) * ( النساء : 27 ) * ( يريد الله أن يخفف عنكم ) * * ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) * ( النساء : 31 ) * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) * ( النساء : 116 ) * ( إن الله لا يظلم مثقال