فخر الدين الرازي

65

تفسير الرازي

يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم في غير الحد ، وإن كان في الأمور مالا يجب ذلك فيه والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) * ( النساء : 25 ) ولم يختلفوا في أن ذلك راجع إلى نكاح الإماء فكأنه قال : فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات لمن خشي العنت منكم ، والعنت هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى فيما رخص فيه مخالطة اليتامى : * ( والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم ) * ( البقرة : 220 ) أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من طعامهم فلحقكم بذلك ضرر شديد وقال : * ( ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم ) * ( آل عمران : 118 ) ، أي أحبوا أن تقعوا في الضرر الشديد . وللمفسرين فيه قولان : أحدهما : أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تحمل على الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب العظيم في الآخرة ، فهذا هو العنت . والثاني : أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد تؤدي بالانسان إلى الأمراض الشديدة ، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم ، وأما في حق الرجال فقد تؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر . وأكثر العلماء على الوجه الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن . ثم قال تعالى : * ( وأن تصبروا خير لكم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد أن نكاح الإماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني عدم القدرة على التزوج بالحرة ، ووجود العنت ، وكون الأمة مؤمنة : الأولى تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح . المسألة الثانية : مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بالنوافل ، فإن كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقاً أفضل من الاشتغال بالنوافل ، سواء كان النكاح نكاح الحرة أو نكاح الأمة ، فهذه الآية نص صريح في بطلان قولهم ، وآن قالوا : إنا لا نرجح نكاح الأمة على النافلة ، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال ، إلا أن هذا التفصيل ما رأيته في شيء من كتبهم والله أعلم . ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله : * ( والله غفور رحيم ) * وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح ، يعني انه وان حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه ، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة والله أعلم . * ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) * . فيه مسائل :