فخر الدين الرازي
7
تفسير الرازي
أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) * ( المنافقون : 10 - 11 ) فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت . السادس : روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ، أي ما لم تتردد الروح في حلقه ، وعن عطاء : ولو قبل موته بفواق الناقة . وعن الحسن : أن إبليس قال حين أهبط إلى الأرض : وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دامت روحه في جسده ، فقال : وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر . واعلم أن قوله : * ( حتى إذا حضر أحدهم الموت ) * ( النساء : 18 ) أي علامات نزول الموت وقربه ، وهو كقوله تعالى : * ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ) * ( البقرة : 180 ) . البحث الثاني : قال المحققون : قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة ، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار ، وإنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه : الأول : أن جماعة أماتهم الله تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل ، ومثل أولاد أيوب عليه السلام ، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الاحياء ، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف . الثاني : أن الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند القولنج ، ومثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها ، فإذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد . الثالث : أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول : * ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ) * ( النمل : 62 ) فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أين يكون سبباً لعدم قبول التوبة ، فثبت بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق ، لا يجوز أن يكون مانعاً من قبول التوبة ، ونقول : المانع من قبول التوبة أن الانسان عند القرب من الموت إذا شاهد أحوالا وأهوالا صارت معرفته بالله ضرورية عند مشاهدته تلك الأهوال ، ومتى صارت معرفته بالله ضرورية سقط التكليف عنه ، ألا ترى أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقط التكليف عنهم وإن لم يكن هناك موت ولا عقاب ، لأن توبتهم عند الحشر والحساب وقبل دخول النار ، لا تكون مقبولة . واعلم أن ههنا بحثا عميقاً أصوليا ، وذلك لأن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا ، ويشاهدون أيضا النار العظيمة وأصناف الأهوال ، وكل ذلك لا يوجب أن يصير العلم بالله ضروريا ، لأن العلم بأن حصول الحياة بعد أن كانت معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظري عند أكثر شيوخ المعتزلة ، وبتقدير أن يقال : هذا العلم ضروري لكن العلم بأن الاحياء لا يصح من غير الله لا شك أنه نظري ، وأما العلم بأن فاعل تلك النيران العظيمة ليس إلا الله ، فهذا