فخر الدين الرازي
54
تفسير الرازي
ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ( 24 ) لا يدفع قولنا ، وقولهم : الناسخ إما أن يكون متواتراً أو آحادا . قلنا : لعل بعضهم سمعه ثم نسيه ، ثم إن عمر رضي الله عنه لما ذكر ذلك في الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه فسلموا الأمر له . قوله : إن عمر أضاف النهي عن المتعة إلى نفسه . قلنا : قد بينا أنه لو كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنه لزم تكفيره وتكفير كل من لم يحاربه وينازعه ، ويفضي ذلك إلى تكفير أمير المؤمنين حيث لم يحاربه ولم يرد ذلك القول عليه ، وكل ذلك باطل ، فلم يبق إلا أن يقال : كان مراده أن المتعة كانت مباحة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنا أنهي عنها لما ثبت عندي أنه صلى الله عليه وسلم نسخها ، وعلى هذا التقدير يصير هذا الكلام حجة لنا في مطلوبنا والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( فآتوهن أجورهن فريضة ) * والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ومهورهن فريضة لازمة وواجبة ، وذكر صاحب " الكشاف " في قوله : * ( فريضة ) * ثلاثة أوجه : أحدها : أنه حال من الأجور بمعنى مفروضة . وثانيها : أنها وضعت موضع إيتاء ، لأن الايتاء مفروض . وثالثها : أنه مصدر مؤكد ، أي فرض ذلك فريضة . ثم قال تعالى : * ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ان الله كان عليما حكيما ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان حكم النكاح قالوا : المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين ، فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر أو تبرئه عنه بالكلية ، فعلى هذا : المراد من التراضي الحط من المهر أو الابراء عنه ، وهو كقوله تعالى : * ( فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئاً مريئاً ) * ( النساء : 4 ) وقوله : * ( إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) * ( البقرة : 237 ) وقال الزجاج معناه : لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها ، أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول . وأما الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان المتعة قالوا : المراد من هذه الآية أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل البتة ، فان قال لها : زيديني في الأيام وأزيدك