فخر الدين الرازي

51

تفسير الرازي

فان قيل : ما ذكرتم يبطل بما أنه روي أن عمر قال : لا أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته ، ولا شك أن الرجم غير جائز ، مع أن الصحابة ما أنكروا عليه حين ذكر ذلك ، فدل هذا على أنهم كانوا يسكتون عن الانكار على الباطل . قلنا : لعله كان يذكر ذلك على سبيل التهديد والزجر والسياسة ، ومثل هذه السياسات جائزة للامام عند المصلحة ، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام قال : " من منع منا الزكاة فانا آخذوها منه وشطر ماله " ثم أن أخذ شطر المال من مانع الزكاة غير جائز ، لكنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للمبالغة في الزجر ، فكذا ههنا والله أعلم . الحجة الثالثة على أن المتعة محرمة : ما روى مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد ابن علي عن أبيهما عن علي : أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسية . وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال : غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول : " يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا وإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً " وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " متعة النساء حرام " وهذه الأخبار الثلاثة ذكرها الواحدي في البسيط ، وظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا ، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ ، ومجرد النكاح ليس كذلك ، أما القائلون بإباحة المتعة فقد احتجوا بوجوه . الحجة الأولى : التمسك بهذه الآية أعني قوله تعالى : * ( أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) * وفي الاستدلال بهذه الآية طريقان : الطريق الأول : أن قول : نكاح المتعة داخل في هذه الآية ، وذلك لأن قوله : * ( أن تبتغوا بأموالكم ) * يتناول من ابتغى بماله الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأييد ، ومن ابتغى بماله على سبيل التأقيت ، وإذا كان كل واحد من القسمين داخلا فيه كان قوله : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) * يقتضي حل القسمين ، وذلك يقتضي حل المتعة . الطريق الثاني : أن نقول : هذه الآية مقصورة على بيان نكاح المتعة ، وبيانه من وجوه : الأول : ما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ * ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن ) * وهذا أيضا هو قراءة ابن عباس ، والأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة ، فكان ذلك إجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة ، وتقريره ما ذكرتموه في أن عمر رضي الله عنه لما منع من المتعة والصحابة