فخر الدين الرازي

49

تفسير الرازي

المسألة الثانية : قال الشافعي : الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر . وقال أبو حنيفة تقرره . واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية لأن قوله : * ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) * مشعر بأن وجوب إيتائهن مهورهن كان لأجل الاستمتاع بهن ، ولو كانت الخلوة الصحيحة مقررة للمهر كان الظاهر أن الخلوة الصحيحة تتقدم الاستمتاع بهن ، فكان المهر يتقرر قبل الاستمتاع ، وتقرره قبل الاستمتاع يمنع من تعلق ذلك التقرر بالاستمتاع ، والآية دالة على أن تقرر المهر يتعلق بالاستمتاع ، فثبت أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر . المسألة الثالثة : في هذه الآية قولان : أحدهما : وهو قول أكثر علماء الأمة أن قوله : * ( أن تبتغوا بأموالكم ) * المراد منه ابتغاء النساء بالأموال على طريق النكاح ، وقوله : * ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) * فان استمتع بالدخول بها آتاها المهر بالتمام ، وإن استمتع بعقد النكاح آتاها نصف المهر . والقول الثاني : أن المراد بهذه الآية حكم المتعة ، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين فيجامعها ، واتفقوا على أنها كانت مباحة في ابتداء الاسلام ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة ، فشكا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم طول العزوبة فقال : استمتعوا من هذه النساء ، واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا ؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها صارت منسوخة ، وقال السواد منهم : إنها بقيت مباحة كما كانت وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين ، أما ابن عباس فعنه ثلاث روايات : إحداها : القول بالإباحة المطلقة ، قال عمارة : سألت ابن عباس عن المتعة : أسفاح هي أم نكاح ؟ قال : لا سفاح ولا نكاح ، قلت : فما هي ؟ قال : هي متعة كما قال تعالى ، قلت : هل لها عدة ؟ قال نعم عدتها حيضة ، قلت : هل يتوارثان ؟ قالا لا . والرواية الثانية عنه : أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال ابن عباس : قاتلهم الله إني ما أفتيت باباحتها على الاطلاق ، لكني قلت : إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير له . والرواية الثالثة : أنه أقر بأنها صارت منسوخة . روى عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله : * ( فما استمتعتم به منهن ) * قال صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : * ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) * ( الطلاق : 1 ) وروي أيضا أنه قال عند موته : اللهم إني أتوب إليك من قولي في المتعة والصرف وأما عمران بن الحصين فإنه قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها