فخر الدين الرازي
224
تفسير الرازي
الماضي من الحال ، ألا تراهم يقولون : قد قامت الصلاة ، ويقال أتاني فلان ذهب عقله ، أي أتاني فلان قد ذهب عقله : وتقدير الآية ، أو جاؤكم حال ما قد حصرت صدورهم . الثاني : أنه خبر بعد خبر ، كأنه قال : أو جاؤكم ثم أخبر بعده فقال : * ( حصرت صدورهم ) * وعلى هذا التقدير يكون قوله : * ( حصرت صدورهم ) * بدلا من * ( جاؤكم ) * الثالث : أن يكون التقدير : جاؤكم قوما حصرت صدورهم أو جاؤكم رجالا حصرت صدورهم ، فعلى هذا التقدير قوله : * ( حصرت صدورهم ) * نصب لأنه صفة لموصوف منصوب على الحال ، الا انه حذف الموصوف المنتصب على الحال . وأقيمت صفته مقامه ، وقوله : * ( أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) * معناه ضاقت قلوبهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فهم لا عليكم ولا لكم . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن الذين استثناهم الله تعالى أهم من الكفار أو من المؤمنين ؟ فقال الجمهور : هم من الكفار ، والمعنى أنه تعالى أوجب قتل الكافر الا إذا كان معاهدا أو تاركا للقتال فإنه لا يجوز قتلهم ، وعلى هذا التقدير فالقول بالنسخ لازم لأن الكافر وان ترك القتال فإنه يجوز قتله ، وقال أبو مسلم الأصفهاني : انه تعالى لما أوجب الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال : * ( إلا الذين يصلون ) * وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة ، الا أنهم كان في طريقهم من الكفار ما لم يجدوا طريقا إليه خوفا من أولئك الكفار ، فصاروا إلى قوم بين المسلمين وبينهم عهد وأقاموا عندهم إلى أن يمكنهم الخلاص ، واستثنى بعد ذلك من صار إلى الرسول ولا يقاتل الرسول ولا أصحابه ، لأنه يخاف الله تعالى فيه ، ولا يقاتل الكفار أيضا لأنهم أقاربه ، أو لأنه أبقى أولاده وأزواجه بينهم ، فيخاف لو قاتلهم أن يقتلوا أولاده وأصحابه ، فهذان الفريقان من المسلمين لا يحل قتالهم وان كان لم يوجد منهم الهجرة ولا مقاتلة الكفار . المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( ولو شاء الله لسلطهم عليكم ) * التسليط في اللغة مأخوذ من السلاطة وهي الحدة ، والمقصود منه أن الله تعالى من على المسلمين بكف بأس المعاهدين ، والمعنى : أن ضيق صدورهم عن قتالكم إنما هو لأن الله قذف الرعب في قلوبهم ، ولو أنه تعالى قوى قلوبهم على قتال المسلمين لتسلطوا عليهم . قال أصحابنا : وهذا يدل على أنه لا يقبح من الله تعالى تسليط الكافر على المؤمن وتقويته عليه ، وأما المعتزلة فقد أجابوا عنه من وجهين : الأول : قال الجبائي قد بينا أن القوم الذين استثناهم الله تعالى قوم مؤمنون لا كافرون ، وعلى هذا فمعنى الآية : ولو شاء الله لسلطهم عليكم بتقوية قلوبهم ليدفعوا عن أنفسهم أن أقدمتم على مقاتلتهم على سبيل الظلم . والثاني : قال الكلبي : انه تعالى أخبر أنه لو شاء لفعل ، وهذا لا يفيد إلا أنه تعالى قادر على