فخر الدين الرازي
207
تفسير الرازي
إلى الله إنما تكون بالدعاء ، واحتج بما روى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال الملك له ولك مثل ذلك " فهذا هو النصيب ، وأما الشفاعة السيئة فهي ما روي أن اليهود كانوا إذا دخلوا على الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا : السام عليكم ، والسام هو الموت ، فسمعت عائشة رضي الله عنها فقالت عليكم السام واللعنة ، أتقولون هذا للرسول ! فقال صلى الله عليه وسلم : قد علمت ما قالوا فقلت وعليكم ، فنزلت هذه الآية . الخامس : قال الحسن ومجاهدي والكلبي وابن زيد : المراد هو الشفاعة التي بين الناس بعضهم لبعض ، فما يجوز في الدين أن يشفع فيه فهو شفاعة حسنة ، وما لا يجوز أن يشفع فيه فهو شفاعة سيئة ، ثم قال الحسن : من يشفع شفاعة حسنة كان له فيها أجر ، وإن لم يشفع ، لأن الله تعالى يقول : * ( من يشفع ) * ولم يقل : ومن يشفع ، ويتأيد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام : " اشفعوا تؤجروا " . وأقول : هذه الشفاعة لا بد وأن يكون لها تعلق بالجهاد وإلا صارت الآية منقطعة عما قبلها ، وذلك التعلق حاصل بالوجهين الأولين ، فأما الوجوه الثلاثة الأخيرة فإن كان المراد قصر الآية عليها فذلك باطل ، وإلا صارت هذه الآية أجنبية عما قبلها ، وإن كان المراد دخول هذه الثلاثة مع الوجهين الأولين في اللفظ فهذا جائز ؛ لأن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ . المسألة الثالثة : قال أهل اللغة : الكفل : هو الحظ ومنه قوله تعالى : * ( يؤتكم كفلين من رحمته ) * ( الحديد : 28 ) أي حظين وهو مأخوذ من قولهم : كفلت البعير واكتفلته إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه . وإنما قيل : كفلت البعير واكتفلته لأنه لم يستعمل كل الظهر ، وإنما استعمل نصيبا من الظهر . قال ابن المظفر : لا يقال : هذا كفل فلان حتى تكون قد هيأت لغيره مثله ، وكذا القول في النصيب ، فان أفردت فلا تقل له كفل ولا نصيب . فان قيل : لم قال في الشفاعة الحسنة : * ( يكن له نصيب منها ) * وقال في الشفاعة السيئة : * ( يكن له كفل منها ) * وهل لاختلاف هذين اللفظين فائدة ؟ قلنا : الكفل اسم للنصيب الذي عليه يكون اعتماد الناس ، وإنما يقال كفل البعير لأنك حميت ظهر البعير بذلك الكساء عن الآفة ، وحمي الراكب بدنه بذلك الكساء عن ارتماس ظهر البعير فيتأذى به ، ويقال للضامن : كفيل . وقال عليه الصلاة والسلام : " أنا وكافل اليتيم كهاتين " فثبت أن الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد الانسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه ، إذا ثبت هذا فنقول : * ( ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) * أي يحصل له منها نصيب يكون ذلك النصيب ذخيرة له في معاشه ومعاده ، والمقصود حصول ضد ذلك * ( فبشرهم بعذاب أليم ) * ( آل عمران : 21 )