فخر الدين الرازي
204
تفسير الرازي
المسألة الثانية : دلت الآية على أن الله تعالى أمره بالجهاد ولو وحده قبل دعاء الناس في بدر الصغرى إلى الخروج ، وكان أبو سفيان واعد الرسول صلى الله عليه وسلم اللقاء فيها ، فكره بعض الناس أن يخرجوا ، فنزلت هذه الآية ، فخرج وما معه الا سبعون رجلا ولم يلتفت إلى أحد ، ولو لم يتبعوه لخرج وحده . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الخلق وأعرفهم بكيفية القتال لأنه تعالى ما كان يأمره بذلك إلا وهو صلى الله عليه وسلم موصوف بهذه الصفات ، ولقد اقتدى به أبو بكر رضي الله عنه حيث حاول الخروج وحده إلى قتال مانعي الزكاة ، ومن علم أن الأمر كله بيد الله وأنه لا يحصل أمر من الأمور إلا بقضاء الله سهل ذلك عليه . ثم قال تعالى : * ( لا تكلف إلا نفسك ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( لا تكلف ) * بالجزم على النهي . و * ( لا نكلف ) * بالنون وكسر اللام ، أي لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله . انتصاب قوله : * ( نفسك ) * على مفعول ما لم يسم فاعله . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لو لم يساعده على القتال غيره لم يجز له التخلف عن الجهاد البتة ، والمعنى لا تؤاخذ إلا بفعلك دون فعل غيرك ، فإذا أديت فعلك لا تكلف بفرض غيرك . واعلم أن الجهاد في حق غير الرسول عليه السلام من فروض الكفايات ، فما لم يغلب على الظن أنه يفيد لم يجب ، بخلاف الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه على ثقة من النصر والظفر بدليل قوله تعالى : * ( والله يعصمك من الناس ) * ( المائدة : 67 ) وبدليل قوله ههنا : * ( عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) * و " عسى " من الله جزم ، فلزمه الجهاد وان كان وحده . ثم قال تعالى : * ( وحرض المؤمنين ) * والمعنى ان الواجب على الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو الجهاد وتحريض الناس في الجهاد ، فان أتى بهذين الأمرين فقد خرج عن عهدة التكليف وليس عليه من كون غيره تاركا للجهاد شيء . ثم قال : * ( عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : عسى : حرف من حروف المقاربة وفيه ترج وطمع ، وذلك على الله تعالى محال . والجواب عنه ان " عسى " معناها الأطماع ، وليس في الأطماع أنه شك أو يقين ، وقال بعضهم : إطماع الكريم إيجاب .