فخر الدين الرازي

21

تفسير الرازي

الكل عليه تكريراً ، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، فثبت أن قوله : * ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) * لا يفيد العموم ، وإذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع . لا يقال : لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه إلى الباقي ، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد ، والأصل أن لا يكون كذلك . لأنا نقول : لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره ، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء ، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى ، وبهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة ، ولا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع . الوجه الرابع : سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع ، لكن لم قلتم : إنه يفيد التحريم ؟ أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم ، بل يفيد التنزيه ، فلم قلتم : إنه ليس الأمر كذلك ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : هذا على خلاف الأصل ، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل ، وسنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء الله تعالى . الوجه الخامس : أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح ، إلا أن ههنا ما يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه : الحجة الأولى : هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا ، بيان أنه منعقد أنه عند أبي حنيفة رضي الله عنه منهي عنه بهذه الآية ، ومن مذهبه أن النهي عن الشيء يدل على كونه في نفسه منعقدا وهذا هو أصل مذهبه في مسألة البيع الفاسد وصوم يوم النحر ، فيلزم من مجموع هاتين المقدمتين أن يكون هذا النكاح منعقدا على أصل أبي حنيفة ، وإذا ثبت القول بالانعقاد في هذه الصورة وجب القول بالصحة لأنه لا قائل بالفرق . فهذا وجه حسن من طريق الالزام عليهم في صحة هذا النكاح . الحجة الثانية : عموم قوله تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * ( البقرة : 221 ) نهى عن نكاح المشركات ومد النهي إلى غاية وهي إيمانهن ، والحكم الممدود إلى غاية ينتهي عند حصول تلك الغاية ، فوجب أن ينتهي المنع من نكاحهن عند إيمانهن ، وإذا انتهى المنع حصل الجواز ، فهذا يقتضي جواز نكاحهن على الاطلاق ، ولا شك أنه يدخل في هذا العموم مزنية الأب وغيرها ، أقصى ما في الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في مواضع يبقى حجة في غير محل التخصيص . وكذلك نستدل بجميع العمومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى : * ( وأنكحوا الأيامى ) * ( النور : 32 ) وقوله : * ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) * ( النساء : 3 ) وأيضا نتمسك بقوله تعالى : * ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) * ( النساء : 24 ) وليس لأحد أن يقول : إن قوله :