فخر الدين الرازي

178

تفسير الرازي

شَهِيداً * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن قوله : * ( وإن منكم ) * يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) * واختلفوا على قولين : الأول : المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فان قيل : قوله : * ( وإن منكم لمن ليبطئن ) * تقديره : يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن ، فإذا كان هذا المبطئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله : * ( وإن منكم ) * . والجواب من وجوه : الأول : أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط . الثاني : أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان . الثالث : كأنه قيل : يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله : * ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر ) * ( الحجر : 6 ) . القول الثاني : أن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين قالوا : والتبطئة بمعنى الابطاء أيضاً ، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه . وحكى أهل اللغة أن العرب تقول : ما أبطأ بك يا فلان عنا ، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد ، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فإذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وان أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين . قال : وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ) * قال : والذي يدل على أن المراد بقوله : * ( ليبطئن ) * الابطاء منهم لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم : * ( يا ليتني كنت معهم ) * عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول وقال : انه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين : * ( قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ) * فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى ، ومثل هذا الكلام